Articles les plus consultés

lundi 28 janvier 2013

من مقالاتنا سنوات الجمر




غربة الإنسان ومولد الذئاب في زمن العولمة: أ.مصطفى عبدالله الونيسي


بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة الأعزاء في كلِّ مكان: السلام عليكم و رحمة الله وبركاته و بعد،ُ لا تزال تفصلنا عن الذكرى السابعة لاغتيال شيخ الشهداء و المجاهدين أحمد يا سين مؤسس حركة حماس الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عشرون يوما تقريبا. وبهذه المناسبة الأليمة يسرني أن أعيد نشر هذا المقال الذي حررته سنة 2004 وهو مقال يصور مرارة الاحتلال و العدوان بصفة عامة وأزمة المثقف العربي بصفة خاصة. و لعلم القرّاء فإن لهذا المقال وقع خاص في نفسي وذلك لأني انتهيت من كتابته قبل ساعات معدودات من استشهاد الشيخ. وفي الصباح الباكر من نفس اليوم فُجع العالم بنبأ هذا الإغتيال الآثم فاكتفيت عند ذلك بالتعليق على المقال تعليقا لا يتجاوز الصفحة إذ كانت وللأسف هذه العملية النكراء تصديقا لما ورد في المقال من معان واحتفظت بذلك مخطوطا عندي كلَّ هذه السنوات منتظرا في كل مرّة هذه الذكرى الأليمة لإعادة نشره على جمهور القرّاء في إحدى المجلات الإلكترونية أو ما يعادلها من نشريات و صحف.
دمتم في حفظ الله تعالى ورعايته
باريس يوم الخميس 4 مارس2010
أخوكم أ.مصطفى عبدالله الونيسي
------------------------------------------------------------------------
غربة الإنسان ومولد الذئاب في زمن العولمة
------------------------------------------------------------------------
الحيرة و انقلاب الموازين:
لا أخفي على أحد أنني أصبحت في و ضع لا أدري فيه أهُو من حُسن حظّي أم من سُوءه أنني بدأت أدرك بعد هذه السنين الطويلة من المنفى والحياة في عاصمة من أهم عواصم الغرب أننا، كمناضلين و عشاق للحرية، في زمن لا يُسمح لنا فيه بالعيش إلا داخل الغابة التي يُطلقون عليها، تضليلا و مغالطة، حرية السوق والنمو و سعادة الأفراد والشعوب حيث غدت هذه الحرية الموعودة هي حرية أن يلتهم الأقوياء الضعفاء بعد استدراجهم و تجريدهم من كل وسيلة للدفاع عن أنفسهم و كرامتهم. إنه زمن غُربة الإنسان و مولد الذئاب. زمن عُبد فيه المال عبادة، و ما الإنسان فيه إلا سلعة و متاعا، فهو لا يُساوي إلا ما يملك من متاع الدنيا، ولا يحق له أن يملك إلا بقدر ما يساوي في بورصة سوق الذئاب.
زمن يكفي القليل من الذهب فيه ليحوّ ل الأسود إلى أبيض و التقي المجاهد عن شرفه و عزة بلاده إلى مُجرم و إرهابي و الجميل إلى قبيح والبطل إلى خائن والجبان إلى شجاع والفاشل إلى ناجح.....
زمن يُسوى فيه بين الضحية و الجلاًَد و لا حرج. زمن لا مكان فيه لما نُسميه نحنُ العامة من النّاس أخلاقا و فضيلة وأديانا سماوية. زمن اختلت فيه الموازين و انقلبت فيه القيم. إنّها غابة تعيش فيها كلّ المخلوقات إلا الإنسان.غابة يهيمن عليها كلّ ذي ناب من السباع وُيساعده كُلّ ذي مخلب من الطّير، لا مكان فيها للشرفاء ولا خيار لهم إلا المغامرة بحياتهم ومواجهة المتطلعين إلى السلطة والهيمنة على الغابة.
و في لحظة وعي أفرزتها تراكمات أحداث جسام داخل الغابة تساءلت كيف استطعت أن أعيش في غابة تحكمها و تدير شؤونها العّامة و الخاصة سباع ضارية حتّى هذا الوقت؟ تساءلت هل كنت عميلا أم ماذا دهاني وقد كنت أعتقد أنّني شجاع و مناضل حرّ لا يُشق لي غُبار؟
المهم بالنسبة لي أني استيقظت من سُباتي الذي يبدو أنّه قد طال فاستعذت من الوسواس الخنّاس و حمدت اللّه على هذه السلامة و لو كانت وقتيه و حتّى صورية، وشكوته أيضا سوء حظّي أنّني وُلدت في زمن أصبحت فيه هيمنة السباع أمرا واقعا سائلا إياه سبحانه أن يُفرج همي و يجعل لي مخرجا من حيث أعلم أو لا أعلم. ولأنّ الطبع يغلب التطبّع لم أستطع أن أندمج في فصيلة الذئاب رغم المغريات الكثيرة و المتنوعة بل و غمرتني مشاعر و نوازع تحررية مريبة أربكتني فتساءلت لأول مرّة بيني و بين نفسي هل يا تُرى فيه مجا ل والحال هذه للتمرد والمطالبة بالاستقلال للنجاة من بطش الذئاب أم أنّ الاستسلام والاقتناع بأننّي واحد من قطيع الخرفان و ترويض النفس على ذلك أولى، فلا مستقبل لي و لا أمل في الحياة إلا داخل ما يقرره و يحدده واحد من سادة الذئاب.؟
وفي هذه الغابة المترامية الأطراف ذاقت أنفاسي و أُصبت بالإحباط الشديد والتأزم لمّا يئست من الإصلاح من الدّاخل و بالطرق السّلمية والقانونية، بل وأيقنت أنّني إذا ما تماديت في هذا المسار فإنّني سأسير لا محالة بخطى حثيثة نحو الهاوية و الأسر الذي ليس منه فكاك إذا لم أغضب وأتمرد. و عندئذ تحملت مسؤوليتي التاريخية و بدأت التفكير بجدية في كل الطرق و الوسائل و الحيل المناسبة التي يمكن أن تُخفف من روعي و روع من هم على شاكلتي و تُحقق لي الخلاص الفردي و النجاة بجلدي على أقل تقدير.وفي هذا المناخ المشحون الذّي أملته و فرضته السياسات" الذئبية" فكرت أيضا في مستقبل الأجيال القادمة و خاصة منهم الأطفال الرّضع كيف سيكون؟ أليس من حق هؤلاء علينا أن يحلموا بحياة أفضل بعيدا عن هيمنة الذئاب أم هي نهاية التاريخ كما يدّعي بعضهم؟ (1)
ولأننّي مُشاكس ولا أقد ّر العواقب، ولأنني أيضا متفائل جدّا رغم قتامة الواقع واختلال موازين القوى، لم أتوقف عن التفكير في طرق تتناسب و إمكانياتي المتواضعة جدّا جدا للتمرد و العصيان المدني و إعلان الثورة بطريقتي الخاصة. و بينما أنا مُستغرق في التدبير والتقدير و التخطيط، ألهمني الله تعالى في لمحة بصر رُشدي وقذف في قلبي نورا على الطريقة " الغزّالية" أعاد لي بمُقتضاه ثقتي في نفسي وديني و تاريخي المليء بالبطولات و الأمجاد فعند ذلك أيقنت و صدّقت من جديد بأن الحياة خارج زمن الذّئاب ليس فقط هي الأصل و ممكنة بل هي ضرورة وواجب في آن واحد وأنّ الطريق إلى ذلك هو الإيمان الصّادق و الإخلاص و الحب و الوفاء و العمل الجّاد على التغيير والصمود مهما كانت الظروف صعبة، بل أيقنت بالإضافة إلى ما تقدم أنّ هذا الواقع المرضي و الإستثنائ الذي يحاصرنا من كل ناحية ما هو في الحقيقة إلاّ النتيجة الطبيعية لتقصير الإنسان و إهماله لوا جباته الدّينية و الإنسانيّة وانحرافه عن الوظيفة المركزية التي من أجلها خُلق. " أولمّا أصابتكم مُصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم" (2) في هذه اللحظات العصيبة من التفكير أدركت وشعرت بالحاجة الماسة لكل ما يمكن أن يعينني على المقاومة من أجل ممارسة حقي الطبيعي في الحياة الكريمة.وكاستجابة طبيعية لهذا الشعور التفت يمينا وشمالا و حاولت أن أقلب كل النظريات و الفلسفات فلم أجد أفضل ولا أبلغ ولا أوضح من القران الكريم الذّي يُرشدني إلى قوانين النصر والهزيمة و يمدني بالعون المعنوي والنفسي متذكرا قول الله تعالى " إنّ الله لا يُغير ما بقوم حتّى يُغيروا ما بأنفسهم " (3). أضف إلى ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم التفسير العملي لكتاب الله والمصدر الثاني الذي نلتمس فيه ومنه العون والمدد و نقتبس منه الآليات و المضامين والمشاعر السوية والمعنويات المرتفعة لمواجهة التحديات. و بالعودة إلى التاريخ ومُختلف التجارب الإنسانية القديمة و الحديثة وجدت كمّا هائلا من التجارب والدروس في مقاومة معسكرات الذئاب على مر العصور. لقد كلفت نفسي مثل هذا العناء من البحث والتنقيب عن المصادر الحقيقية للقوة استعدادا للمقاومة و الذود عن مدينة الإنسان حتّى لا تلعني و إخواني من بني الإنسان الأجيال القادمة. ولكن في المقابل لا أذيع سرّا عندما أقول أنّ الحياة الحقيقية الجديرة بالشرفاء ليست أمرا ميسورا ولا هي في مُتناول الجميع إذا لم نبذل الجهد الكافي و المطلوب لنكون جديرين بها وإلا فإنّ عالم الذئاب ليس ببعيد عنّا كما يُمكن أن نتصور لأول وهلة، إذ كل واحد منّا قابل لأن ينقلب إلى ذئب إذا لم ينتبه إلى ذلك سواء بصفة كاملة أو جُزئية. وإذا كانت الذئاب لغزا إلى هذا الحد فما هي الحدود الفاصلة بين عالمي الإنسان و الحيوان أي الذئاب؟
الذئب، الرمز و الدلالة:
لا شك أنّ السباع بكل أنواعها كغيرها من المخلوقات، هي من خلق الله، قد خلقها لحكمة يعلمها و يراها. وهي عندما تقتل إنما تفعل ذلك استجابة لحاجة ضرورية وغريزة بيولوجية هي غريزة الجوع. فهي تقتل لتأكل ولا تقتل للتشفي والتلذّذ بالآم الآخرين. وهي أيضا جزء لا يتجزأ من هذا المحيط الذّي نعيش فيه، بل هي ضرورية للحفاظ على البيئة و توازنها.أمّا السباع التي نعني فهي تلك التي قد خلقها الله ابتداء خلقا سوّيا في صورة إنسان، تكريما و تشريفا و تكليفا إلا أنّها أبت إلا أن ترتكس إلى الوحل طواعية بخروجها على النّاموس الالهي العام فقلدت السباع الضّارية في أسوإ طباعها وخصالها ولؤمها: " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثمّ رددناه أسفل سافلين... " (4) وذلك بسبب ما ارتكبته من معاص وخروج عمّا أودعه الله في هذا الكون من قوانين: " إن هم إلا كالأنعام بل هم أضّل سبيلا... " (5) وقد حُذّرنا منذ زمن بعيد من الشّيطان ذئب الإنسان حتى لا يكون مصيرنا كمصير الشّا ة القاصية فينفرد بها الذّئب: " الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ من الغنم القاصية، إياكم و الشعاب وعليكم بالعامة و الجماعة والمساجد" (6)
كما أنّ النبيّ صلى الله عليه و سلّم أوصانا بالحذر من كثير من الدّواب و الكواسر و الحشرات لما تُمثله من خطر على حياة النّاس و أمنهم: "خمس من الدّواب لا حرج على من قتلهنّ:الغراب والحدأة والفأرة والعقرب و الكلب العقور(7)"(8) وللذئب صفات يُضرب بها المثل، كُلها تنطبق و زيادة على بعض النّاس، منها الغدر و الخبث والخيانة والجرأة و اليقظة واللؤم وسرعة الجوع... ولذا قالوا قديما: من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم ويُروى أنّ امرأة من بني اسرائيل وجدت ذئبا صغيرا يكاد يموت جوعا و نظرا لقلة معرفتها بطبيعة الذئاب أشفقت عليه المسكينة وأخذته لبيتها و ربته مع شاتها الوحيدة، فكان يشرب من لبنها و يتدثر بصوفها ولمّا كبُر و اشتدّ عُوده قتل الِشّاة و أكلها فقالت المرأة فيه بعد فوات الأوان:
بقرت شُوَيْهَتِي وفجعت قلبي وأنت لشاتنا ولد ربيب
غُذّيت بدرها و رُبيت فينا فمن أنبأك أنّ أباك ذئب
إذا كان الطباع طباع سوء فلا أدب يُفيد ولا أديب
ومن عجائب الذئب أنّه لا يأمن لأحد، فشُغلُه الشاغل هو أمنه الخاص أوّلا، ولذا فهو لا ينام إلا بإحدى عينيه و يحرس بالأُخرى. فهو لا يُقيّم من حوله إلاّ من خلال وعلى خلفية أفعاله و خصاله و قد قال فيه احد الشعراء: ينام بإحدى مُقلتيه و يتقي بأُخرى الأعادي، فهو يقظان هاجعُ
ولكن حتّى نكون من أهل القسط ومن الشهداء بالحق فإنّ هذه الكواسر والسباع و ما قد نُطلقه عليها من أوصاف إلاّ أنّها لم تخرج يوما عن مُمارسة دورها المرسوم لها مُسبقا، بل إنّها لمّا طلب منها عُقبة بن نافع أن تخرج من الغابة التي على أنقاضها بنى مدينة القيروان، و جامعها الكبير، لتكون عاصمة ومنطلقا جديدا للفتح الإسلامي في بلاد المغرب، خرجت طواعية و من دون إكراه وهو ما لا يُمكن للسباع الآدمية أن تستوعبه أو تفهمه أو تطيقه. و يكفي أن ننظر إلى شارون و اله وبوش و صحبه وصدّام و زبانيته سابقا و كلّ من كان على شاكلتهم و دينهم، فبماذا يتميز هؤلاء الرهط من السباع الآدمية إذا ما قارنا أفعالهم الإجرامية و العُدوانية بأفعال غيرهم من بقية السباع مُجتمعة. بل إننا عندئذ قد نظلم الذئاب الحقيقية ظلما كبيرا لأنّ الذئاب الرمزية من بني جلدتنا هُمُ أشدّ مكرا و فتكا وبطشا و أكثر قُدرة على الظلم، وهم لا يفعلون ذلك للضرورة و إنّما يفعلون ذلك حبّا للتسلط و الهيمنة و القهر.
المقاومة و إرادة الحياة:
وبناء على ما تقدم فإنّ إرادة الحياة اللائقة بالإنسان السّوي تستدعي منّا قرارا حاسما و عاجلا على المقاومة و التصدي و هي بالتالي لا تحتمل التردد و الخوف و التأجيل، لأنه لولا خوفنا و ترددنا وانغلاقنا و جُبننا ما استطاعت الذئاب في يوم من الأيام أن تبني قصورها و عروشها، وكم نهانا الرسول صلى الله عليه و سلّم وحذرنا من الخوف وحبّ الدنيا و كراهية الموت الشريف وقد كان شعار كثير من أسلافنا المجاهدين"اطلبوا الموت توهب لكم الحياة". وجدير بنا أن ننسج على منوال هؤلاء الكرام إذا ما أردنا الحياة عزيزة و كريمة ليُمارس الإنسان حقه في الحياة كمخلوق جدير بالخلافة و عمارة الأرض بكل حرية و أمان.
إصلاح الغابة أم " أنسنة" السباع:
لقد أدركت أيضا نتيجة لصحوة الضمير هذه، وتراكم التجارب المتعددة و المتنوعة، وإفرازا مُرّا لحياة المنفى و البعد عن الأهل والدّيار أنّ المناضل محكوم، أحب أم كره، بواقع مُعقد و مُركب و لا يمكنه بحال أن يقلب الواقع بفكره و حُسن نواياه لأن الفكر وحده ليس هو الجزء المُحدّد في عملية التغيير والإصلاح. كما أن الغابة لا يُمكن إصلاحها أيضا عن طريق المعجزات والوصفات الجاهزة.
فالإصلاح عملية مُركبة، والمبادئ مهما كانت جميلة لا تُجدي نفعا كبيرا إذا لم تصحبها إرادة قوية وتصميم على الفعل لا حدود له "لقد أرسلنا رُسُلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم النّاس بالقسط و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد و منافع للنّاس"(9)
فالنجاح ليس هبة تُعطى وإنّما هو كسب مشروط، بالإضافة إلى صحة الفكرة في عُمومها وسلامة القصد والتوكل على الله، بالفعل الجاد والمبادرة والأخذ بأسباب النجاح والنزول إلى الميدان والجهاد بالمال والوقت والنّفس إن لزم الأمر و خاصة في زمن المعارك المفروضة علينا. فإرادة الحياة بطبيعتها لا تحتمل الاستقالة والسلبية والبقاء على الربوة بعيدا عن الصراع والاكتفاء بدور المتفرج الذّي قد لا يتوقف عن لعن الذئاب وأفعالهم و التعلق بالسمّاء وهي بعيدة عنه مكتفيا بالدّعوة إلى الخير وهو لا يدري أنّ السماء لا تُمطر ذهبا ولا فضة. أحسب أننّا مُطالبون أن ننزل إلى الأرض لنثبت عليها أقدامنا و نتعرف على واقعنا من قريب مهما كان حاله ونتفاعل معه سلبا وإيجابا فننحاز إلى الجميل منه أو على الأقل إلى ما هو أقل سوءا و ضررا عند الضرورة والإكراه .لا شك أن الممازجة بين المثال الذي يطمح إليه الإنسان و السمو الذّي بشر به الأنبياء و الحكماء من جهة و التاريخ البشري بمُختلف منعطفاته الحلوة والمرّة من جهة ثانية هو من صلب عمل الإنسان وهو المسؤول الأول عن توجيهه وتوظيفه لخدمة الحضارة الإنسانية. إنني، بعد هذه السنين الطويلة من محاولة السّباحة ضد التيار المفروض علينا في الدّاخل والخارج، أعترف أن هذا الجهد المتعدد المستويات، و أن هذا الأمل في عملية تحرير الإنسان ليس أمرا سهلا بالمرة وأنّ ذلك يتطلب همة عالية كهمة سيّدنا إبراهيم عليه السلام و إيمانا يتجاوز منطقنا البسيط والمحدود و أخلاقياتنا العادية ولكنه رغم ذلك يبقى أمرا ضروريا وقابلا للتحقق في نفس الوقت لأن الله لا يّكلف نفسا إلا وُسعها ولأن الاستطاعة الإنسانية قادرة على تحقيق ذلك. إنه الإيمان با لنهايات السّعيدة التي منها يستمد الإنسان شرعيته و قوامته على سائر المخلوقات.
إرادة الحياة بين البدايات و النهايات:
إنّ البحث عن الوسائل المناسبة لتحقيق تلك النهايات السعيدة هو عملية اجتهادية بشرية بحتة. و من أهم الوسائل و أخطرها تأثيرا على تحقيق هذه النهايات هو ما نُسميه "بالفعل السياسي".فالسياسة وسيلة نوعية و مُتميزة في تقرير مصير الإنسان سلبا و إيجابا. وهو ما فهمه المُتطلعون إلى السلطة في كل زمان ومكان فحرصوا على احتكار هذه الوسيلة ولو عن طريق القتل والإرهاب وسفك الدّماء ولذلك لا نستغرب عندما نسمع هؤلاء ونراهم في إعلامهم مُسخرين كل ثروات الدّولة المادية و المعنوية يرددون صباحا و مساء :"أيها النّاس إنّ السياسة حرام عليكم إلى يوم الدّين، حلال علينا وحدنا معشر السباع، فاجتنبوها إنها ّ رجس من عمل الشيطان و إلا فسيطالكم لا محالة غضبنا وتكونون من الخاسرين."

ولأنّنا طيّبون، وعاطفيون، وخائفون، ومُترددون، كان يؤثر فينا كثيرا هذا القول البليغ، فنُعيد، نحن المُواطنون المُسالمون جدّا، إنتاج هذا الخطاب السديد والكلام الرّشيد بأساليبنا الخاصة مرددين بلا كلل ولا ملل أن السياسة قد ماتت و أنّها رجس من وحي الشيطان وأن اجتنابها قدر المُستطاع خير عند الله مُكتفين بموقع المحكوم فيه إلى الأبد، و نحن والحمد لله راضون ومُقتنعون، لا موقف لنا ولا رأي إلاّ ما يراه ويقرره الحاكم المعصوم الذّي لا ينبغي مُراجعته ولا إدانته إلى يوم الدّين.
ولكن على الطرف الآخر، من هذه الحقيقة التي أرادت السباع أن تُكرسها، نجد إرث الأنبياء والمصلحين يشدّنا إلى الأعلى دائما ويمنعنا من السقوط وينير لنا الطريق و يلقننا حقائق أخرى لا قبل للسباع بها.لقد تعلمنا من هؤلاء أنّ الحياة في عالمنا البشري ليست حقيقة مُطلقة و مؤكدة و مكتملة الصنع و أنّ الله أوجب علينا أن نُنجزها بما يتماشى و يخدم مصلحة الإنسان و ازدهاره، وتحقيق ذلك لا يُمكن إلا عن طريق الإرادة العامة و الشعور المشترك بالمسؤولية الجماعية التّي تمُدُّنا بالإحساس المُرهف و تُلهب فينا مشاعر الرّحمة و الأخوة والتعاطف والتعاون والغيرة على الضعيف والمظلوم، فنجعل من كل واحد منّا مسؤولا عن كل الآخرين"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". فالسياسة على ضوء هدي الأنبياء هي:"ما كان فعلا يكون معه النّاس أقرب إلى الصلاح و أبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرّسول ولا نزل به الوحي" (10) فوسيلة على هذه الدرجة من الخطورة ينبغي أن يُعاد لها الاعتبار و أن تُحظى بالأولوية إذا ما أردنا تحرير الغابة من هيمنة الذئاب وجعلها واحة أمن وسلام للتعايش السّلمي بين المواطنين من كل دين و ملّة. "ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (11)
كما أن العمل على توفير الأسباب التّي تسمح لكل مواطن يحمل داخله بذرة خير أو عبقرية أو موهبة ولو كانت جُزئية أن يُعبر عنها و يُفجرها علما و فكرا وحضارة وفنّا و أدبا هي واجب، خدمة للناس وللكون. وحتى يؤدى الواحد منّا واجباته بهمة عالية و تفان فهو مُحتاج إلى أن يطمئن على أهله و نفسه عرضه ودينه. إنّ ما يُميز الإنسان عن غيره هو أنه كائن حرّ، والحرّية هي طريقه للفاعليّة و التألق في خدمة الصالح العام للمجتمع و الشعب و النّاس جميعا.إنّ هذا العالم، الذي أرادت الذّئاب أن تجعل منه مُجرد غابة تعبث فيها كيفما تشاء، كُلّه وطني، أينما انتُهكت حقوق الإنسان فيه و أهدرت كرامته شعرت بالألم و المرارة.وأنّ ما يُضاعف ألمي و يُعمق جُرحي هو أنّ مُعظم زعمائنا السياسيين و الروحانيين لا يعون و لا يُقدرون حجم ما نحن فيه من مخاطر وإذا ما وعُوا فإنهم لا يتمردون...
وما يُغضبُني أيضا أن مُعارضاتنا السياسية و الفكرية ينتقدون لأنهم لا يحكمون ولكنهم أيضا لا يتجرؤون ولا يُبادرون ولا يكادون يتميزون عمّا ينتقدون.....
يا حكامنا و يا حكماءنا و زعماءنا و يا مُعارضينا، رسميين و غير رسميين، هل من صحوة ضمير تُعيد لنا رُشدنا ؟ لنقاوم معا ،جنبا إلى جنب ما يُسمى "بالعولمة"و خاصة منها الاقتصادية التي ما هي في الحقيقة وإن اختلفت المسميات إلا الوريث الطبيعي و بأ قل الأثمان للاستعمار القديم و إلاّ فإنّ بوش وشارون و من كان على دينهما سيحطموننا و يذبحون أبناءنا و يستحيون نساءنا و يستبيحون دماءنا و أعراضنا،نستوي في ذلك حكامّا و محكومين.إن مُقاومة هؤلاء الذّين يكذبون علينا و يُلحون علينا أن نُلغ عقولنا لنعيش فقط ببطوننا و غرائزنا هي ضرورة قبل أن تكون واجبا و حقّا مشروعا.
إنّ التّصدي لهؤلاء الذين يريدون أن يفرضوا علينا بقوة المليارات و الصواريخ العابرة للقارات تاريخا كاذبا و مُستقبلا "ديمقراطيا" وهميا لا أساس له في الحقيقة إلا الفراغ والدمار الشامل والموت البطيء والمدروس هو شرف لكل مُقاوم وعلامة انتصار لا تُخطئ. إنّ مُقاومة هؤلاء في الدّاخل والخارج هي واجب ديني و إنساني مهما كانت الإمكانيات مُتواضعة ولو عن طريق الكلمة الصادقة أو نُكران الضمير الحي وذلك أضعف الإيمان. و من النضال أيضا أن لا نكُفّ عن إعلان حقائقنا ولو كانت جُزئية ومُضطربة من سوء ما نحن فيه من ضغط و من سوء ما نُعانيه من ظُلم و حيف. علينا جميعا أن نصبر على هذه الحال ولا نستسلم إلى أن يأتي الله بالفرج ونبني مكانا آمنا نعشق فيه الجمال والفضيلة والخير والعدل والحرية و نشعر فيه بالأمن و الأمان، وعند ذلك نُعيد ترتيب أوضاعنا المُبعثرة و أفكارنا المُشتتة ونُعلن حقائقنا كاملة غير منقوصة وقد نُساهم أيضا في بناء مشروع السّلام العادل.
فيا أحرار العالم في كل مكان ومن كل ملّة و دين لنتعاون على تحرير جزء مهما كان صغيرا من هذه الغابة المُوحشة نتخذه مُنطلقا لتحرير ما تبقى من الغابة ونزرعه قمحا و شعيرا و نغرسه تينا و زيتونا و رمّانا ونخلا و عنبا. و من الأفضل أيضا أن لا ننسى زرع شيء من الورود والأزهار، كالقرنفل و الياسمين، فنستبد ل رائحة الذئاب و عُواءها برائحة الأزهار و زقزقة العصافير وهي تُغني للحياة فنُغني معها أُنشودة الحياة الخالدة:"إذا الشّعب يوما أراد الحياة.....فلا بُدّ أن يستجيب القدر" (12)
إن ولادة الإنسان السّوي تعني موت هذه الذئاب المُنصبة علينا بقوة الحديد والنار أو على الأقل و في أسوإ الحالات تراجعها إلى حجمها الطبيعي الذّي من أجله خُلقت لا تتجاوزه قيد أنملة.
يا شرفاء العالم، إن النجاة من "زمن العولمة"هو العمل الجاد والمُشترك على تأسيس "عالمية إنسانية"
جديدة، قوامها الرّحمة والتعارف والتعاون والتكامل و بإيجاز تحقيق إنسانية الإنسان. وذلك هو الخيار الذّي سيُضفي على حياتنا القصيرة معنى وكرامة: "يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "(13)
ليعذرني قارئ هذه الصفحات على ما تعكسه من قتامة وهموم ولكن ليعلم أن هذه الخواطر ولئن كانت
مُوغلة في التشاؤم إلاّ أنها لم تبن على فراغ وإنّما أملتها أحداث جسام عاشها العالم بصفة عامة و العالم الإسلامي بصفة خاصة ومنها نذكُر منها ما سمي بنكسة 5حوان 1967 وحرب الخليج الأولى ثمّ الثانية و غزو لبنان و مذبحة صبرا وشاتيلا وأحداث الجزائر و أحداث 11 سبتمر 2004 واحتلال أفغانستان والعراق من طرف الإدارة الأمريكية وأحلافها. وهي كُلها أحداث فرضتها أياد استعمارية وعُنصرية لا هم لها إلاّ ألتسلط و الهيمنة على الشعوب المُستضعفة. فإلى متى سنظل على هذه الحال ولا يكون ردّ الفعل في المستوى المطلوب.
إنّ هذا النص هو دعوة للانتباه واليقظة أولا وهو دعوة للبناء وإرادة الحياة وتهيئة الأسباب لزرع الأمل من جديد ثانيا.

باريس ليلة الإثنين22 مارس2004
المُوافق ل1صفر1425للهجرة.
مقال وحدث وتعليق

لقد كانت ليلة الاثنين من يوم 22مارس 2004 ليست كغيرها من الليالي، فقد انتابتني مشاعر غريبة و مُتناقضة وكأنّ شيئا مُريعا سيحدث. و بالفعل في الصباح الباكر فتحت "الجزيرة " لأسمع أخر الأخبار وإذا بالخبر الفاجعة والصاعقة يُعمق جُرحي الذّي لم أغمض جفني بسببه. في هذا الصباح، ولم يمض على انتهاءنا من كتابة مقال "غُربة الإنسان ومولد الذئاب..." إلاّ ثلاث ساعات ونصف، اغتالت قوات العدو الصهيوني بطائرات " الآباتشي" شيخ المُجاهدين أحمد ياسين وهو قعيد على كُرسيه بعد خروجه من المسجد إثر صلاة الفجر و في طريق عودته إلى بيته. و كانت هذه الجريمة النكراء تصديقا وتأكيدا لما ورد في المقال من قتامة و تشاؤم.لقد تجاوزت وحشية اسرائيل بزعامة المُجرم و السفاح شارون كل الحدود و الأعراف. لقد أراد مُجرم الحرب أن يُربك حركة المقاومة الباسلة ويشق صفوفها إلاّ أن الذّي حدث بفضل الله تعالى هو العكس تماما فكان رد الشعب الفلسطيني سريعا وحاسما وحضاريا سواء على المستوى السياسي و التنظيمي أو على المستوى التعبوي والمعنوي. و بذلك يكون الشيخ أحمد ياسين قد نجح في تأسيس حركة مقاومة عصرية لم يحسب العدو لها حسابا في حياته ونجح مرة ثانية عندما وحّد الشعب الفلسطيني باستشهاده، فكان دمه الزكي وقودا أجّج مُظاهرات التنديد الواضح و الحاسم بإرهاب الدولة الصهيونية من ناحية والدعم المطلق و اللا مشروط لحركة المقاومة لهذا الكيان العنصري والفاشي من ناحية ثانية. كما أن الرد على المستوى التنظيمي كان سريعا وفي المستوى المطلوب، فتعيين الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي (14) رئسا لحركة حماس في مدينة غزا خلفا للشيخ أحمد ياسين كان هو الرد الذّي بدد أوهام الصهاينة في شق صفوف الشعب الفلسطيني. كما أنّ استشهاد الشيخ، على المستوى المعنوي، في هذا الوقت وفي هذا المكان و في هذا العمر كان تزكية و تتويجا ربانيا لجهاده الطويل عن شرفه و عزة بلاده. كما أن استشهاد الشيخ كان بلا ريب إيذان عن ميلاد آلاف من المجاهدين الذّين سيلقنون العدو درسا لن ينساه. إن استشهاد الشيخ هو شهادة حية و مملموسة عمّا و رد في مقالنا من أفكار وخواطر حتى يعرف من لا يعرف أو من لا يريد أن يعرف أننا في الحقيقة لسنا متشائمين عندما نقول أن هذا العالم ومن فيه تريد أن تُهيمن عليه اسرائيل وتقوده، بدعم من الإدارة

 الأمريكية، إلى الدمار ونهاية التاريخ حسب زعمهم. إن مشروع العولمة هو في حقيقته مشروع أمريكي صهيوني بالأساس وهو مشروع محكوم عليه بالفشل مسبقا لأنه قائم على الباطل والباطل لا يدوم لأنه نشا ز وشذوذ و إخلال بسنن الله في الكون.
يا سيّدي، يا شيخ المجاهدين و يا إمام الصامدين، لقد أديت ما عليك وفديت دينك و بلادك بأغلى ما تملك، بنفسك التّي بين جنبيك، فأكرمك الله بالشهادة، وعشت سعيدا رغم الاحتلال و مت شهيدا بسبب الاحتلال، و حُشرت بإذنه تعالى مع الأنبياء و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا. فهنيئا لك بمقامك الذي أنت فيه، و إنّا لله و إنّا إليه لراجعون.
صباح يوم الإثنين 2004.03.22
أ. الأستاذ: مصطفى عبدالله الونيسي
الهوامش

1) من هؤلاء ،نذكر "فوكوياما"
2) سورة ال عمران165
3) سورة الرعد: اية11
4) سورة التين: اية 4 و5
5) سورة الفرقان: اية 44
6) رواه أحمد
7) العقور هو ما هاجم الإنسان كالنمر و الأسد
8) متفق عليه
9) سورة الحديد: اية 35
10) ابن القيّم: الطرق الحكمية
11) قاعدة أصولية كلية
12) من ديوان لأبي القاسم الشّابي
13) سورة الحجرات :اية 13
14) استشهد هو بدوره بعد مدة وجيزة





أصدقاءك يقترحون

مرحبا! يبدو أنك وصلت إلى هنا عن طريق Google. هل تعلمـ(ين) أن تورس ليس جريدة إلكترونية، بل هو محرك بحث عن الأخبار؟ تفاصيل أكثر عن تورس موجودة هنا.نصيبنا من المصارحة و المنا صحة(مرّة ثانية) مصطفى عبدالله ونيسي


تقديم :
( نصيبنا من المصارحة و المنا صحة) هو تعليق كنتُ قد قمت به منذ سنة و نصف تفاعلا مع ورقة تقدّم بها مجموعة من أعضاء حركة النهضة سمّوها ( مذّكرة مصارحة و منا صحة ) لطرحها على قواعدهم من أجل بلورتها والإقناع بها، ولكنّها وقع الالتفاف عليها ، فبقيت حبيسة الكواليس الحزبية و لم تر النُّور حتّى السّاعة كما كنّا توقعنا. و لا يزال مسلسل هذه المذّكرات مستمرا ولكن دائما تحت إمرة التنظيم وشروطه، فَيُستبعدُ من غَضِبَ عليه التنظيمُ و لو من دون وجه حقّ ، ويُقَّرَبُ مَنْ رضِي عنه التنظيم . و في تقديري أن هذه المبادرات ستبقى مُتَسِّمة بعدم الجدّية طالما بقيت خاضعة لإملاءات وشروط خارجة عن إرادة الإصلاح والتفكير الحرّ. وإيمانا منّا بضرورة الإصلاح ، نحاول أن نساهم في إثراء هذا الحوار، ولو عن بُعْدٍ وذلك لسببين : أوّلا لأننا استُبْعِدنا من هذا الحوار قسرا ، ولا ندري لماذا ؟ ، وثانيا لأن الملاحظات التي أبديناها في حقِّ المذكرة الأولى ينسحب أيضا على غيرها من المذكرات طالما أنّ الإطار لم يتغير ، والهدف هو نفسه.
السبت 13فيفري2010

------------------------------------------------------------------------
نصيبنا من المصارحة و المنا صحة.
------------------------------------------------------------------------
الحمد لله كثيرا فقد وفقني الله تعالى أخيرا أن اطلع على مذكرتكم( مصارحة و منا صحة) . وكان ذلك بعد إصرار منّي وإلحاح وأشكر لكم جهدكم الطيب أن شاء الله ، بل وأتفق مع جُلِّ ما ورد فيه من نصح ومصارحة. ولكُمْ أن تتساءلوا لماذا كل هذا الحرص و الإلحاح ؟ فأجيب أن مبعث هذا الحرص هو حُبّي واحترامي الكبير لكم من ناحية ، فجهدكم هذا أفتخر به، و ما يشغلكم أيضا يشغلني وأغلبكم يعرف ذلك.المهم عندي هو أنكم وُفِقتم في ملامسة واقع الحركة و تشخيصه ، كما وُفقتم أيضا في طرح جُملة من الأفكار الجديرة بإمعان النظر فيها وأخذها بعين الاعتبار في محاولة معالجة الأمور و إصلاحها. أسأل الله أن يُبارك جُهدكم ، فيرى هذا المجهود النور فلا تقفون عند هذه الخطوة بل تُتبعونها بخطوات عملية ميدانية جريئة لا تخافون في الله لوْمة لائم عسانا َنُدْرِك ُ إصلاح ما يمكن إصلاحه والله المستعان على ما تصفون.
ولكن بدوري لا أستطيع أن لا أصارحكم بما يخْتَلج في صدري أيها الأحبّة ما دمتم مُستعدين للمصارحة و المناصحة. إنّ مذكرتكم هذه ، بقدر ما أثارت في نفسي قدرا من الرّاحة و الاطمئنان، فهي خُطوة طالما انتظرناها ، بقدر ما أثارت في نفسي أيضا أقدارا من الشعور بالمرارة والتردد في مصارحتكم و التفاعل معكم، بل والشك في قدرتكم على تحمل مسؤولياتكم التاريخية حتى النهاية ،سائلا الله أن لا يكون شعوري هذا في محله، و سأبدي رأي في ذلك و أبين لماذا؟.
و ما سأبديه من ملاحظات ليس المقصود منه هو إحباطكم أو التشكيك في نواياكم ، و إنّما القصد منه هو النصح و المصارحة و التذكير ببعض المعاني التي قد تغيب عنكم وقد لا يشعر بها إلا من ظُلم و لم يجد أحدا من أقرب إخوانه ليذّب عن عرضه و عن حقه في إبداء الرأي حتى و لو كان مخالفا للأكثرية. لا شك أن العمل معكم شرف لي وأنا مستعد لذلك رغم هذا التجاهل الذي أبديتموه تُجاهي ولا أدري ما سببه؟ الحمد لله على كل حال،ولا يهم كثيرا معرفة السبب،المهم أني من جانبي سأوطن نفسي و أدربها و أذكرها بأن لا تعيش على ردود الأفعال، ففي ذلك ذهاب للريح والتعاون دائما خير، و الوحدة أوصانا بها الله في كتابه العزيز و جعلها مقصدا من مقاصد تشريعنا. و في كل الأحوال لا ضير أن يُخطئ إخواني في حقي أحيانا و أخطأ في حقهم أحيانا أخرى فيصبرون عليّ و أصبر عليهم، و نحن جميعا مأجورين ، خير لي ألف مرة من أن أصبر على غيرهم من خصوم المشروع الإسلامي صبرا مُذِلا قد يكون سببه ردود الأفعال والتوتر و حُبُّ الانتصار للذّات. وبناء على ما تقدم اسمحوا لي أيها الأحبة أن أبدي لكم ملاحظاتي على غير ترتيب راجيا منكم أن تقبلوها بصدر رحب، و ما هي في الأخير إلا رأي شخصي إن حالفني فيها التوفيق فذاك من فضل الله تعالى ، و إن كان الحال على غير ذلك فلا ألوم إلاّ نفسي وعزائي في كل ذلك أني ما أردت إلاّ النّصْحُ و المصارحة و التّذكير ببعض المعطيات حتى لا تكون ذاكرتنا ضعيفة، فلا نستفيد و لا نفيد ونبقى نراوح مكاننا. وبناء عليه فإنّ من جملة هذه الملاحظات أذكر:
1) أنّ مُذّكرتكم وردت فيها جملة من الأفكار القيّمة و المفيدة كما أشرت سابقا، و لكنّها إحقاقا للحق لم يكن ما ورد فيها من أفكار في أغلبه اكتشافا جديدا، بل قد سبقتها نداءات كانت قد رُفعت منذ وقت طويل في مناسبات كثيرة من قِبَل أفراد و مجموعات صغيرة كان هدفها الأوحد فيما أعلم، هو رفع لواء الإصلاح و التجديد في وقت نحسبه كان مناسبا للضغط من أجل الإصلاح الحقيقي.
2) وكان يكفي في هذا المقام أن نعود إلى تلك الورقات التي أ ُعدت من طرف مجموعة من الإخوة الكرام منذ اثنا عشر سنة الآن فنقرأها بكل موضوعية وعندها سنقف وتقفون على حقيقة ما نقول، بل قد نجد فيها أحيانا ما هو أبلغ و أشمل مما تكرمتم بطرحه علينا. وأمانة و خدمة للتاريخ قد ننشر هذه الورقات ليطلع عليها الإخوة وكل التونسيين في الداخل و الخارج فيطلعوا على جملة أراء كنّا قد رفعناها منذ ثماني سنوات الآن،وعندها قد يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فيحكموا لنا أو علينا. وما يحز في النّفسِ اليوم هو أنّه رغم هذا المجهود المُضني حقيقة، فلا أحد من هؤلاء الإخوة الممضين عن المذكرة استجاب لهذه النداءات المتكررة و لو على استحياء، بل العكس تماما هو الذّي حصل من إخوة كنا ننتظر منهم ولو المساندة الجزئية و الرّمزية أو على الأقل أن يتقمصوا دور الحكم لا أكثر فيحصل لهم شرف محاولة التوحيد و الإنقاذ و الدفاع عن الضعيف حتى يأخذ حقه. و حتى لا نُعمّم فإن هذا العتاب يعني إخوة باريس بصفة خاصة. إنّه انطباع قد حصل عند هؤلاء الإخوة الذّين سبقوكم بمثل هذا النوع من المناصحة و المصارحة، وأنا واحد منهم ، و هو انطباع وللأسف لا يعزز مسألة الثقة المتبادلة فيما بيننا و التي هي ضرورية لكل عمل إنساني جادّ و ذلك رغم التوافق الكامل تقريبا على جملة ما ناديتم به في مذكرتكم.
3) علمتنا التجربة أن مقولة الإصلاح من الدّاخل و المبالغة في ذلك ليست دائما مفيدة، بل هي أحيانا تخدم السائد من الأفكار و العقليات أكثر مما تخدم البعد الإصلاحي و التجديدي في حدّ ذاته إن لم تُدّعم بِجُرعة من الضغط الخارجي. فالتنظيم رغم ضروريته وحاجتنا إليه ، فإنّ من مساوئه القُدرة العجيبة على إفراغ المبادرات التجديدية من مضامينها و احتواءها بالكامل أحيانا ولكن بشكل مُشوه في مرحلة أولى، ثُمّ ينفرد بأصحابها ليجعل منهم كبش فداء و سببا لكل داء في مرحلة لاحقة. وهو ما حصل و يحصل منذ زمن طويل. فالتنظيم بما يشتمل عليه من ميكانيزم و منطقِ دّاخلي خاص به، ومن وسائل و امكانيات دفاعية ذاتية هو بطبيعته آلية تدفع نحو المحافظة والاستقرار ولا تطيق التغيير و التجديد، و هو ما ينبغي أن يأخذه المجدّد أو المصلح بعين الاعتبار. وكسرا لهذه الهيمنة الداخلية للتنظيم أو إن شئتم للحزب فلابد من اللجوء و الاستعانة بالضغط الخارجي على التنظيم للحدّ من هيمنته و ضمان شيء من التوازن والتطور. فممارسة الضغط الخارجي على التنظيم متى كان مُقننا و مُنضبطا هو شرط من شروط العمل الحزبي العصري،و عامل من عوامل التطور. فالإصلاح الدّاخلي ،حتى و لو كان شأنا حزبيا خاصا،إذا أردناه أن يكون فعالا و سريعا ينبغي أن يمر أيضا، إلى جانب التوعية و الحوار الداخلي ، بالضغط والتحديات الخارجية. فالآلة التنظيمية لا تستجيب بسهولة للنداءات الإصلاحية الدّاخلية مهما كانت هذه النداءات قوية ومشروعة،كما يتوهم البعض، بقدر ما تستجيب وتخشى الضغط الخارجي وخاصة بالنسبة لحركة سياسية قاعدتها الشعبية عريضة ، كما هو الحال بالنسبة لحركتنا سابقا. فالإصلاح السياسي لم يكن شأنا حزبيا ضيّقا و حسب، وإنما هو شأن وطنيّ جامع قبل كل شيء، عليه أن يجعل المصلحة العامة والعليا فوق كل اعتبار،و ما الإصلاح التنظيمي و الحزبي إلا مدخلا لتحقيق هذه المصلحة الأشمل ، و كُلَّما كانت المصلحة أعَمُّ تكون أولى بالاعتبار و التقدير. فترتيب البيت الدّاخلي ما يزيده الضغط الخارجي، بشرط ألاّ نسقط في عمليات جلد للذّات،إلا ترتيبا على ترتيب وجمالا على جمال، ألا ترى إلى الواحد منّا عندما يستضيف أحدا فإنّ انتباهه لترتيب بيته و نظافته و جماليته يتضاعف وقد يكون ذلك بدافع الحياء أحيانا أو بدافع احترام الضيف أحيانا أخري أو بدافع كليهما، المهم هو أن النتيجة النهائية لهذا النوع من الضغط لن تكون إلاّ خيرا أن شاء الله تعالى. هذا بالنسبة للضّيف والصّديق، فما بالك بالمنافس؟ لا شك أن الحفاظ على وحدة التنظيم و تلاحم صفوفه ، هي شرط آخر من شروط الإصلاح ، لكن دون أن يكون ذلك على حساب الحريات، التي هي مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية،أو على حساب وأد الإضافات التجديدية لأن ذلك صمام تطورنا و تقدمنا وازدهارنا، بل وحياتنا الحرّة التي نحن بها جديرون. فالاستعانة بجُرْعة من الضغط الخارجي لفرض الإصلاحات المطلوبة، و خاصة إذا ما أعيتنا الوسائل الداخلية ،هي أمر مطلوب وليست عيبا كما يريد أن يصَّور لنا ذلك أصحاب التنظيمات الاستبدادية و القهريّة بكل أشكالها و ألوانها. وفي هذا المقام يحضرني مثال الزعيمة الفرنسية مُرشحة الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة (سيقولان روايال )،( و المقارنة هنا هي في وجه دون وجه أو في بُعد دون سائر الأبعاد، وهو ما يعني أن المقارنة لا تتجاوز نقطة الاستعانة بالضغط الخارجي )، التّي ما كانت لتفرض نفسها على الحزب و باروناته الرّسمية والطّبيعية حتّى و لو كانت هي الأكفأ و الأولى لو لم تستعن على الآلة التنظيمية بالمناضلين القاعديين والرأي العام عن طريق "ديمقراطية المُشاركة" (1)الشعبية و المدنيّة و غير ذلك من الأشكال النضاليّة النَّوعية. فبفضل هذه الآلية الدّيمقراطيّة انتصرت هذه الأخيرة على رموز مُختلف اتجاهات الحزب الإشتراكي،ابتداء من( دومينيك ستروس كان) الذي تحالف معه الوزير الأوّل والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية للحزب لسنة 2002م(ليونال جوسبان) وأنصاره ،وانتهاء ب(لوران فابيس) ومن تحالف معه من مثل (جون ليك ميلونشون) إلى (هونري إيمانيالي) زعيمي أقصى اليسار في الحزب الإشتراكي(2)، انتصارا ساحقا في انتخابات أولية داخل أنصار الحزب وأتباعه . وفي رأي الخاص ما كانت (روايال) لتخسر الانتخابات الرئاسية لولا خيانة زعماء الحزب لها . و بناء على ما تقدم، واستفادة من بعض التجارب و الشواهد، فقد نادينا بالشفافية والعلنية والضغط المدني و السّلْمي بكل أشكاله و ألوانه. و نادينا،أيضا، بالقطع النِّهائي مع الازدواجية في الخطاب و الممارسة على المستوى الدّاخلي و الخارجي مهما كانت الدّواعي و الأسباب. نادينا بذلك كمنهج ثابت في التغيير و الإصلاح، و ليس كتكتيك ظرفي أو مناورة عابرة لتحقيق بعض المكاسب السياسية العابرة . وانطلاقا من هذه المقدمة فلا ينبغي أن يخيفنا أبدا الضغط الخارجي بل إنّ ذلك سيُقوينا ويُكسبنا المناعة و القدرة على التطور الدائم والمستمر،إذا ما تعاملنا معه بهذه الخلفية ، واعتبرناه مقدمة من مقدمات النجاح والتألق.
4) إنّ من شروط النجاح،أيضا ،اختيار الوقت المناسب الذي يساعد ويُهيء لهذا النَّجاح، وكذلك هو الشأن بالنسبة للإصلاح. وأعتقد أنّ ما تفضلتم بطرحه و عرضه ،لو قمتم به في فترة سابقة لكان أجدى وأنفع ، ولأنقذتم عددا مهما من أخلص إخواننا للمشروع من التهميش والاستقالة.
5) الإصلاح الحقيقي أن يكون خالصا لله ومرتبطا أساسا بالأفكار و المشاريع وليس بالأجندات التنظيمية الظرفية أو الأشخاص مهما كان وزن هؤلاء الأشخاص. لا ننكرُ ما لنوعية الأفراد من وزن في إحداث التغيير ولكن ليس إلى درجة أن يُصبح الشخص هو الفكرة و الفكرة هي الشخص. هذا ما ينبغي أن نقاومه جميعا في المستقبل لأن أمتنا في حاجة إلى فكر أصلاحي نهضوي مؤسس، وليست في حاجة ماسة إلى هذه الحدِّ، كما يعكس ذلك سلوكنا وخطابنا وخاصة المقروء منه، إلى ولاية فقيه من الفقهاء مهما كان هذا الفقيه على درجة من العلم والتّقوى. هذا البعد في عملية الإصلاح لا بد من الانتباه إليه وإلاّ فإنّ احتمال تحول عملية الإصلاح على المدى البعيد إلى فكر استبدادي تبقى قائمة، حفظنا الله وإياكم من كل ظالم غاشم مستبد لا يرعى لله ولا لرسوله ولا للمؤمنين ذمة ولا حرمة. لهذه الأسباب وغيرها أوجه عتابي لكم ما دمتم تشاركوننا الرأي في ضرورة الإصلاح والحال أننا أعضاء في نفس الحركة على قدم المساواة على الأقل من الناحية النظرية. فلماذا لم تقفوا إلى جانبنا وتدافعوا عن حقنا في عرض أراء نا بشكل يتوفر فيه قدر من العدل و تكافوء الفرص. ولنفرض أننا ،كما تُرَّوِجُون، كُنّا متشنجين و متوترين و متهورين، فهل يكفي ذلك مبررا لتستخفوا بنا وأنتم تشهدون عملية إقصاءنا و تهميشنا،لا لكبير ذنب اقترفناه ،اللهم إلاّ بعض المناوشات التي كان مبعثها ردود أفعال طائشة والتي لم يسلم منها أي طرف من الأطراف سواء كان قاعديا أم قياديا؟ لماذا لم تساهموا في ترشيد أفكارنا وسلوكنا وتأخذوا بأيدينا وتعينوننا على الحقّ ما دمتم تؤمنون بنفس الأفكار؟ لماذا لم تدخلوا على الخط ،فنُسّلم لكم،حينئذ، المبادرة و نحن على غاية السرور لأن الذّي كان يهمنا هو الإصلاح وإنقاذ ما يمكن إنقاذه لا غير؟ والذي نفسي بيده لو كنت مكانكم لدافعت عن حقكم في إبداء رأيكم على قدم المساواة مع غيركم ما استطعت إلى ذلك سبيلا. ومع كل هذا فسأساندكم في مسعاكم بدون تحفظ و لا تردد.
ولقائل منكم أن يقول : (ومن طلب منك أن تؤيد هذه المبادرة أو تباركها أو تنخرط فيها؟). وعندها أجيب: ( أنا اليوم رجل أشعر بقدر كبير من الحرّية والرّاحة النّفسية رغم التجميد المسلط عليّ في الخفاء،وأحمد الله على كل ذلك، وما هذا الذي عبرت عنه إلاّ جزءا بسيطا من حقي في المصارحة والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم و كما يقول الرّسول صلى الله عليه و سلم :( لا تُحقرّن من المعروف شيئا) سواء كان صادرا عني أو من إخواني ( ولو أن تلق أخاك بوجه طلق أو كما قال صلى الله عليه و سلم).
وفي الأخير،لا أ ُخفيكم سعادتي بهذا التقدم العلمي الرهيب وخاصة في مجال التواصل والإعلامية الذّي بفضله أصبح الإنسان قادرا أن يُبلغ صوته عاليا وهو في بيته ،فلا يستطيع مخالفوه في الرّأي أن يحجبوا عن النّاس رأيه ولو كان مخالفا لما هو سائد كما كان الحال في الثمانينات من القرن الماضي. والعولمة،إن كان لها من حسنات،فهي لا تتجاوز هذا المجال. هذا نصيبي من المصارحة والنصيحة، إخوة الدرب المبارك، إن أحببتم أضيفوه إلى مصارحتكم و مناصحتكم وإن أبيتم فاطرحوه أرضا والأيّام دول،فلا سلطان لي عليكم وإنّما أنا مُذكِر . إخوة الدِّين والوطن أسأل الله أن ينفع بكم وأن يسخركم لخدمة دينه، ويُخلص أعمالنا جميعا لوجهه الكريم، أنه سميع مجيب

أخوكم مصطفى عبدالله ونيسي
ليلة الإربعاء 4جوان2008
1+2) كنت سأوضح بعض الحيثيات عن هامشي 1و2باللغة الفرنسية ككتابة الأسماء مثلا ولكن ما استطعت أن أتحول من اللغة العربية إلى الفرنسية رغم كل ما بذلته، فالحاسوب لم يسمح بذلك، وسأضيف ذلك في صفحة مستقلة وأرسلها إليكم لاحقا، إن شاء الله تعالى.
 

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.


 

إضاءات في السياسة والحكم [الأستاذ مصطفى لونيسي] الجزء الأول

...و تناغما مع هذا المصير السّعيد و المشترك تراءت لي فكرة تخصيص ركن لتسليط الضوء على بعض القضايا التّي تشغلنا في مجال الحكم و السّياسة من خلال منظور إسلامي. وهي في الحقيقة قضايا نطرحها للتشاور و الحوار والتفاعل المشترك من أجل استشراف مستقبل أفضل نقطع فيه مع كلّ أنواع الإستبداد و أساليبه و آلياته و أدبياته ….. و هذا النّوع من القضايا تناوله فقهاؤنا قديما بالنّظر و التحليل في علم ما يُعرف بفقه السّياسة الشّرعيّة، فما هي بإيجاز مجالات هذا الفقة، و ما هي مشمولاته قديما و حديثا ؟
إضاءات في السّياسة و الحكم (الحلقة الأولى)
الأستاذ مصطفى ونيسي [عضو التنسيقية المؤقتة للحركة]
إن نجاح الثّورة في تونس بصفة خاصة، وانبلاج فجر ربيع الثّورات العربية بصفة عامّة كان منعرجا تاريخيّا حاسما في استعادة الشعوب العربيّة لكرامتها و حريتها واسترجاعها لسيادتها التي انتهك حُرمتها الاستبداد السّياسي و الفقر… إن انبلاج فجر الثورات العربيّة الزّاحف كان بحق إيذانا بتصميم شعوبنا العربيّة التّي تجرعت أنواعا شتّى من الظّلم بسبب حكامّها و أنظمتها الفاشية افتكاك زمام المبادرة و الفعل الحضاري ….. و تناغما مع هذا المصير السّعيد و المشترك تراءت لي فكرة تخصيص ركن لتسليط الضوء على بعض القضايا التّي تشغلنا في مجال الحكم و السّياسة من خلال منظور إسلامي. وهي في الحقيقة قضايا نطرحها للتشاور و الحوار والتفاعل المشترك من أجل استشراف مستقبل أفضل نقطع فيه مع كلّ أنواع الإستبداد و أساليبه و آلياته و أدبياته ….. و هذا النّوع من القضايا تناوله فقهاؤنا قديما بالنّظر و التحليل في علم ما يُعرف بفقه السّياسة الشّرعيّة، فما هي بإيجاز مجالات هذا الفقة، و ما هي مشمولاته قديما و حديثا ؟
ــ مجالات فقه السّياسة الشّرعيّة بين الأمس و اليوم:
إنّ ما يُعرف قديما بفقه السّياسة الشرعيّة هو شبيه جدّا بما يُعرف اليوم بالفقه الدّستوري عموما و الفقه الدّستوري الإسلامي خصوصا. ونحن نفضّل هذه التّسمية الأخيرة لانسجامها مع طبيعة الخطاب المعاصر و قربها من الذّهنيّة و القوانين الدّستوريّة المعاصرة.
وظيفته قديما: تناول الفقهاء قديما بصفة أساسيّة مبحث (الخلافة) بالنسبة للمدرسة السّنيّة، و (الإمامة) بالنّسبة للمدرسة الشّيعيّة و ما يتبع ذلك من مباحث فرعيّة. وتناول الفقهاء أوّل الأمر هذا المبحث ضمن أبواب الفقه العّام ولكن في مرحلة متقدمة هناك من الفقهاء من تناول هذا النّوع من الفقه في كتب متخصصة، من مثل كتاب الأحكام السّلطانيّة للماوردي الشّافعي(450هـ) و لمعاصره أبي يعلى الفرّاء الحنبلي(476هـ)، و كتاب السّياسة الشّرعية في إصلاح الرّاعي و الرّعية لابن تيميّة الحنبلي. ومن هذه الكتب أيضا الطرق الحكمية لصاحبه و تلميذه ابن القيم (751هـ) ومن ذلك كتاب الخراج لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (181هـ) ..... وغير ذلك من المصنّفات النفيسة في هذا الفّن ...
ــ وظيفته حديثا: و من وظائف هذا الفقه حديثا بالإضافة إلى وظائفه القديمة التي اعتراها الكثير من التطور تنظيم علاقة المواطن بالدّولة أو السّلطة بالشّعب أو الحاكم بالمحكوم...
وعلاقة المؤسسات الحكوميّة بالمواطنين ، و من مشمولاته تحديد الحقوق و الواجبات و مجال الحرّيات الخّاصة و العّامة ، و ضبط المهام و مختلف الوظائف الدّستورية و التّشريعيّة و التنفيذيّة و القضائيّة. و من ذلك أيضا تحديد شروط و ضوابط الشّرْعِيّة السّياسيّة و تعيين مصادر التمويل للأحزاب و الدّعاية السيّاسيّة... ، و كذلك تشخيص المصلحة العّامة للدّولة و الشّعب إلى غير ذلك ممّا له علاقة بالشّأن العّام . كما أنّ مبحث الدّيمقراطيّة كآليّة للتداول على السّلطة أو الحكم هو من المباحث التّي ينبغي أن ندرجها اليوم ضمن مباحث فقه السيّاسة أو ما يَحْسُنُ بنا أن نُسمِّيه بالفقه الدّستوري الإسلامي.
فإذا كانت هذه هي مجالات فقه السّياسة الشّرعيّة قديما و حديثا بكل إيجاز، فما هو تعريف هذا العلم عند فقهاءنا القدامى و المعاصرين؟
الأربعاء 15/06/11

خدمة للتاريخ : شهادة تارييخية



  1. د. الصحبي العمري شخصية فاعلة في الحياة السياسيّة في تونس على امتداد ثلاثة عقود تقريبا. و هو شخصية أثارت الكثير من الجدل، و أحرجت الكثير من الأطراف  و خاصة منها تلك التّي اتخذت من السّياسة مهنة. فنجد له في النخبة  خصوما كثيرين ، ولكن ما يمكن أن نسجله للرّجل هو شجاعته و قدرته على السباحة ضد التّيار متى لزم الأمر.  و هذا ما عرضه للكثير من التشويه و الشّيطنة  سواء من النظام أوّلا ثمّ من المعارضة غير الرّسميّة و خاصة  قيادات حركة النّهضة في المهجر. هذا الرّجل يلقي بشهادة تاريخية مهمة لجريدة الصباح ، ننقلها نحن بدورنا لقراء مواطنون متضامنون، فهذا دورنا كإعلاميين  و التّاريخ وحده من سيحكم لها أو عليها.  مصطفي عبدالله الونيسي/باريس

متابعات وطنية
120

د. الصحبي العمري ناشط سابق في حركة النهضة لـ"الصباح الأسبوعي"

كنت مفاوض النهضة مع بن علي ..وهذه أسرار المجموعة الأمنية


 بعد حرق مقامات الأولياء سيقع الاعتداء على مقابر ومعابد اليهود والنصارى لإثارة الفتنة -المرزوقي يدير حملته الانتخابية من قصر قرطاج بأموال الشعب - على حمادي الجبالي تقديم استقالته للتأسيسي - أجرت الحوار :منية العرفاوي يوم الجمعة الماضي، شهدت ساحة القصبة اعتصاما لمجموعة من مناضلي حركة الاتجاه الإسلامي أو حركة النهضة فيما بعد،
وهي المجموعة الأمنية التي أوكلت لها مهمة الانقلاب يوم 8 نوفمبر1987 التي تقضي بقلب نظام الحكم.. اجتماع لم يرق على ما يبدو لحركة النهضة الحاكمة في موقف يرى فيه «رفاق الأمس» من الإسلاميين تنكّرا لنضالات أجيال «أفنت عمرا» في الدفاع عن الحركة وصدّ عدوان السلطة عليها..
د. الصحبي العمري أو رجل «المهمات الصعبة» في نهضة الثمانينات والتسعينات كان حاضرا في اعتصام القصبة، احتجاجا على رفاق «النضال» الذين أنستهم كراسيهم الوثيرة، عذابات «الإخوان» سنوات الجمر..
«الصباح الأسبوعي» التقته في هذا الحوار الذي راوح في تقييم أداء حركة النهضة، المناضلة بالأمس والحاكمة اليوم..
حركة النهضة الحاكمة كيف نظرت الى اعتصام المجموعة الأمنية يوم الجمعة المحسوبة عليها؟
ـ هناك نية لتمييع الوقفة الاحتجاجية لـ»المجموعة الأمنيّة 8 نوفمبر 1987» صبيحة يوم الجمعة 25 جانفي 2013 حتى لا تعترف قيادة حركة النهضة بالجناح العسكري لحركة الاتجاه الإسلامي الذي خطّط للانقلاب على نظام الرئيس بورقيبة ممّا أسفر عن صعود المخلوع إلى سدّة الحكم في 7 نوفمبر 1987 أي قبل يوم واحد من انقلاب حركة النهضة.. لقد اخترقت عناصر من المكتب التنفيذي للنهضة اعتصام «الصمود» في القصبة ونجحت في احتوائه حتى لا يلتحق وزراء المجموعة الأمنيّة برفاق دربهم لمطالبة رئيس الحركة راشد الغنوشي بالاعتذار وردّ الاعتبار للعسكريين والأمنيين النهضويين بعد أن زجّت بهم قيادة الحركة في ماكينة الإلغاء المجتمعي ليصبحوا جثثا متنقلة بعد الثورة يرفض الجميع الاعتراف بنضالاتهم التي كثيرا ما تشدّقت بها قيادة النهضة في المهجر..
راجت الكثير من الأخبار حول هذه المجموعة الأمنية لكن في تقديرك ما هو السرّ غير المعلن الى اليوم حول هذه المجموعة؟
ـ الشرارة الأولى لبداية النشاط الفعلي لهذه المجموعة هو في سبتمبر 1987 عندما بدأت محاكمة الاسلاميين.. صائفة 87 كانت صائفة ساخنة فيها عديد المواجهات الميدانية بين الاسلاميين وبوليس النظام.. العملية الميدانية بدأت مع تفجيرات سوسة والمنستير والتي قامت بها مجموعة من أنصار حركة الاتجاه الإسلامي.. وحمادي الجبالي وقتها هو رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة وقد خطّط للأمر شخصيا بمساعدة القيادي في الحركة المرحوم صالح كركر..
وفي هذه العملية وقع ايقاف بعض العناصر وحكم عليهم بالإعدام واندثر بعضهم بتهريبهم خارج البلاد وهي العملية التي أشرفت عليها شخصيا وذلك بطلب من حمادي الجبالي شخصيا ومنهم محمد الشملي، عبد المجيد الميلي وفتحي معتوق الذي تولّى وضع المتفجرات في النزل وهو اليوم يعيش في إسبانيا، وذلك عبر منطقة قلعة سنان من خلال جهة عين ودّاي..
وتحديد محاكمة جديدة للاسلاميين في 17 نوفمبر 1987 عجّل بتحرّك الجهاز السرّي وبعمله على استجلاب الأسلحة من أوروبا وتقرّرت عملية مداهمة السجون يوم الأحد 8 نوفمبر1987 لإنقاذ قيادة الاتجاه الإسلامي التي ينتظر بعضها حكما بالإعدام.. وإحداث رجة في الحكم البورقيبي قد تؤدّي إلى الانقلاب على السلطة لكن وقع إلقاء القبض على القيادي محمد شمام الذي كان يحمل قائمة بأسماء الضباط العسكريين والأمنيين المشاركين في إعداد خطة المداهمة وكشفت بالتالي أوراق العملية.
هل كان لحمادي الجبالي دور كذلك في انقلاب 8 نوفمبر 1987؟
ـ هناك معلومة خطيرة ستقال ربما لأوّل مرة وهي أن حمادي الجبالي وصالح كركر غادرا تونس من ميناء حلق الوادي في أزياء ضباط من الديوانة في باخرة الحبيب من تونس الى مرسيليا وذلك بتواطؤ من متفقدي وأعوان القمارق وذلك يوم 26 أكتوبر1987 بعد هروب مجموعة سوسة والمنستير عبر الجزائر.. وبقيت المجموعة الأمنية للقيام بمهمتها لكن فشلت في تقديري لأنها عجزت على أن تكون مجموعة انقلابية وكلفت بمهام تتجاوز قدرتها وتعدّ هذه المجموعة 156 عنصرا وفيهم من ساهم بكل انضباط ومن بينهم مدني وعسكري وامني في تحقيق خطة بن علي الانقلابية.. لم تأتهم تعليمات للانقلاب على بن علي وإكمال مهامهم وبالتالي هم هواة..
هل كنت أنت من تفاوضت مع السلطة وقتها لإطلاق سراح المجموعة الأمنية؟
ـ في أحد أيام جويلية 1988 اتصل بي وأنا في سجن 9 أفريل مع بقية عناصر المجموعة، أحمد القطاري مدير عام المصالح السجنية والاصلاح كمبعوث خاص من بن علي في مهمة سرية لايجاد حلّ مع المجموعة الأمنية فطلبت منه توفير 3 حافلات تأتي الى السجن وتنقل 156 فردا وهم من المجموعة الأمنية الذين هم رجال التغيير وحملهم الى قرطاج لأنهم ساهموا بكل انضباط في التغيير السلمي الذي قام به بن علي وعندما عدت الى غرفة الايقاف أخبرتهم بالأمر لكن ما راعني إلا أن الطلبات غير منطقية من قبيل أنهم لن يغادروا السجن الاّ بالحصول على أوسمة، أعتقد أن تلقيهم «شهرية» في السجن تقدّر بين 600 وألف دينار من حركة النهضة وتفوق مرتباتهم الوظيفية تمثل مورد رزق بالنسبة إليهم، شجّعتهم على البقاء في السجن.. وبعد ذلك غادرت الغرفة غاضبا مع مجموعة صغيرة فيهم المنصف بن سالم.. وأنا كنت المفاوض الوحيد مع السلطة -لأنها ترفض التفاوض مع الحركة- حول المجموعة الأمنية التي غادرت كلها في ظرف سنة ونصف وعلى ثلاث دفعات.
وقد كذب المنصف بن سالم عندما ذكر بعد الثورة أنه المفاوض الأساسي في المجموعة الأمنية..
كيف غادر الغنوشي تونس في ماي 89؟
ـ خرج راشد الغنوشي في ماي 1989 في سيارة مراسم بعد أن التقى زين العابدين بن علي في القصر وبات ليلته في نزل الهناء الطابق الثالث بالعاصمة ورافقته سيارة المراسم الى الحدود الجزائرية..
هناك من يتحدّث اليوم عن تجاذب في حركة النهضة بين جماعة المهجر وجماعة الداخل؟
ـ ليس هناك تجاذب بل هناك نفور تام، فجماعة الداخل عاشوا الهانة والمهانة والمرض والسجون والملاحقة الأمنية بينما جماعة المهجر عاشوا الرفاهية من خلال تجميع التبرعات الخيرية التي كانوا يمتهنون بها التسوّل السياسي باسم المساجين الإسلاميين في تونس وعائلاتهم..
هل ترى اليوم أن حكومة النهضة تورّطت في الحكم؟
ـ راشد الغنوشي أخطأ قبل الثورة في خيار الصدام مع السلطة الذي جرّ الوبال على رفاقه.. وأخطأ بعد الثورة في توزيع الحقائب من باب المكافأة وليس الكفاءة.. وبالتالي ورطة الحكومة اليوم سببها راشد الغنوشي وليس حمادي الجبالي.. والحكومة التي وزّعت حقائبها حسب شرعية المنافي والسجون.. تنتظرها أسوأ الأيام.
علي العريض كيف تراه كوزير داخلية؟
ـ علي العريض، هو الانسان الاداري المتحزّب وقد احتوته وزارة الداخلية ولم يحتوها ولا يقدر شخص كالعريض أن يتقن التصرّف والأداء في وزارة الداخلية ما دامت المنظومة البوليسية ما زالت تعمل بقوة وهو ما ورّط حركة النهضة في استجلاب التجمعيين وابتزازهم بالملفات.
هاجمت محمّد عبو في رسالة شهيرة وجهتها لسليم حيمدان فكيف تقيّم أداء حزب المؤتمر الشريك في الحكم اليوم؟
ـ محمد عبّو مثال لمهزلة مناضل مزيف.. وأنا لا أعترف بأن هناك حزبا اسمه المؤتمر.. فهذا الاسم لا يوجد الاّ في عقل المرزوقي أما البقية فهم «الفضلات» النخبوية لحركة النهضة.. وأكذوبة الثورة حزب المؤتمر والتكتل والمجلس التأسيسي..
تقييمك لدور المرزوقي كمناضل وكرئيس دولة؟
ـ أنا أتحدّى أيّا كان أن يجد ملفا دافع عنه المنصف المرزوقي في رابطة الدفاع عن حقوق الانسان.. وليس له أداء يذكر في قصر قرطاج وهو دون صلاحياته.. ودوره اليوم يقتصر على ادارة حملة انتخابية بأموال الشعب..
هل تعتقد أن النهضة تنوي تسليم الحكم في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة؟
ـ لن تكون هناك انتخابات وان وقعت ستكون تحت ضغط خارجي..
ما هو حكمك على الظاهرة السلفية في تونس؟
ـ الحركة الجهادية أنشأها بن علي بقمعه للحركة الاسلامية فوجد الشباب ضالته في منابر القنوات الدينية الخليجية والظاهرة السلفية هي الجيل الثاني لحركة النهضة الذي شاهد المآسي التي تعرّض لها آباؤهم فنقم وغضب على السلطة ووجد نفسه حتى بعد الثورة مهمّشا.. وقد أصبحوا ضحية حتى للنهضة التي باتت تستعملهم كوقود محرقة لإرضاء الغرب..
ظاهرة حرق مقامات وأضرحة الأولياء.. كيف تحكم عليها؟
ـ سنمرّ الى درجة أخطر من استفزازات مشاعر المواطنين ومعتقداتهم وسيُعتدَى على مقابر اليهود والنصارى ومن ثمة معابد اليهود وكنائس النصارى، وهناك مسؤولون في الدولة لا يمكن لهم أن يعيشوا ويواصلوا تمعّشهم من غير أن يعيشوا دون «ثقافة الأزمة»..
كيف تنظر الى النقاشات الطويلة حول التحوير الوزاري اليوم؟
ـ حمادي الجبالي لم يعد يصلح لمواصلة المسار وما عليه الاّ تقديم استقالة جماعية للحكومة إلى المجلس التأسيسي.. فنحن لم نعد نثق في التحوير لأننا لا نثق في الحكومة ذاتها.



mercredi 23 janvier 2013

تكريم الشّهداء واجب يا حكومة الثّورة





مصافحة أولى

بسم الله الرّحمن الرّحيم
يقول الله تعالى: ( و لا تحسبّن الذِّين  قُتِلُوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربّهم يُرزقون) آل عمران / 169
كانت ثورة 14جانفي 2011 انطلاقة لثورات ما بات يُعرف بالرّبيع العربيّ،   فأعادت للتّونسيّ عزّته و كرامته  و أعادت للعربي بصفة عامة الأمل في الحياة . ثورة  لم تأت من فراغ ، و إنّما هي ثمرة لتراكمات نضاليّة كثيرة   ساهم في رعايتها منذ الاستقلال بدءا من اليوسفيّة و الزّواتنة وبعض اليساريين الشّرفاء و النقابيين والحقوقيين والإسلاميين الذّين دفعوا الضريبة مضاعفة. نضالات تراكمت و تضاعفت ،فآتت أكلها سنة 2011،و لم يكن البطل فيها لا زعيما و لا حزبا سيّاسيّا و لا قطاعا معيّنا ، و أنّما البطل هو الشّعب بكل فئاته و خاصة منهم الشباب المهمش و أصحاب الشّهائد العليا العاطلين عن العمل.  وانسجاما مع هذا المدّ الثوري الذّي سنعمل ليتواصل حتّى تحقق الثّورة أهدافها و لا يقع الالتفاف عليها من أي طرف كان، نطالب بتحقيق مطالب العدالة الانتقاليّة في أقرب وقت ممكن حتّى لا يشعر التّونسي بالإحباط  و خيبة الأمل مرّة ثانية.
ونحن كمواطنين  أحرار، داخل تونس و خارجها، نقدّر أنّ إعادة الاعتبار لكلّ الوطنيين الشّرفاء ، من أبناء هذا الوطن الغالي ،خاصة أولئك الذّين سقوا أرض تونس بدماءهم الزّكية من يوسفيين و زيتونيين  و نقابيين وإسلاميين  و كلّ مَن ساهم في رفع راية تونس عاليّة خفّاقة، هو من صميم أهداف ثورتنا المجيدة. و تكريم هؤلاء و إعادة الاعتبار إليهم ليس   تكرّما أو هبة تُمنح و إنّما هو واجب و دَين مُخلّد في رقبة  كلّ  تونسي و تونسيّة حتّى يُقضى.
.فلا معنى  لثورة إن لم  تعدل بين أبطالها الذّين صنعوا مجدها وتُكرمهم و تعترف لهم بالجميل.
 و بناء عليه نطالب حكومة بلادنا بأن تكشف النّقاب عن ظروف و ملابسات محاكمة المجاهد البطل محمّد قرفة رحمه الله تعالى الذّي أودت به إلى الإعدام ظلما و عدوانا. كما نطالب بإعادة رفاته الطّاهر إلى مقبرة الشّهداء ببلدته بني خداش لتعرف الأجيال أن شهداءنا أحياء يرزقون و لو كره المنافقون و العملاء. فالوطنيّون و خاصة منهم أولئك المجاهدين الّذين فدوا بلادهم بدمائهم نعتزّ بهم جميعا و نفتخربهم على قدم المساواة، و لا مجال لأن نفضّل أحدا منهم على أحد إلاّ بما قدّموا لهذا الوطن الغالي من تضحيات.
فهذا التعتيم الإعلامي و التجاهل لقمّة من قمم الجهاد و التضحيّة لرجل فذّ مثل البطل محمّد قرفة لا يليق بحكومة  وطنيّة أفرزتها انتخابات  حرّة و نزيهة لأوّل مرّة في تاريخ تونس المعاصر يوم 23أكتوبر2011.
و حرام على التّونسيين و التّونسيّات أن ينسوا شهداءهم بهذه السّهولة، ويظلموهم مرّتين، مرّة زمن الحكم الاستبدادي الغاشم على عهدي بورقيبة و بن على، و مرّة ثانية زمن الثّورة و لو كان ذلك عن حسن نيّة أو انعدام لإرادة سياسيّة جادة، فانتهاج سياسة النّظام البائد تُجاه أبطالنا هي في حدّ ذاتها ظلم كبير لا نستطيع السّكوت عنه، و من أنذر فقد أعذر.(1)
باريس 21/01/2013
مصطفى عبدالله الونيسي رئيس جمعية البلسم للتربيّة و الثَقافة/ باريس.

(1) هذه صيغة أوّلية لا تكتسي صبغة رسميّة حتّى يساهم كلّ من يهمّه هذا الأمر برأيه في التعديل أو التحسين أو الإضافة، ولكن دون إضاعة للوقت.
و هو نص  مفتوح لكلّ من يريد أن يمضي عليه .

mercredi 16 janvier 2013

الحياة السّياسيّة في تونس


آلاف الإسلاميين يتظاهرون في تونس "دفاعا عن الشرعية"

السبت, 09 شباط/فبراير 2013 18:07

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
آلاف الإسلاميين يتظاهرون في تونس "دفاعا عن الشرعية"



ظاهر آلاف من انصار حركة النهضة الاسلامية الحاكمة السبت في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي وسط العاصمة تونس بدعوة من الحركة دفاعا عن "شرعية الحكم".

ورفع المتظاهرون اعلام تونس وحركة النهضة وحزب التحرير الاسلامي الذي يدعو الى اقامة دولة خلافة في تونس وبعض اعلام تنظيم القاعدة ورددوا شعارات مثل "الشعب يريد حماية الشرعية" و"الشعب يريد النهضة من جديد" و"وحدة وطنية ضد الهجمة الخارجية".

 

كما رددوا شعارات معادية لحزب "نداء تونس" العلماني المعارض ولرئيسه الباجي قايد السبسي، الذي دعا الى حل المجلس التاسيسي اثر اغتيال شكري بلعيد، المعارض العلماني الشرس لحركة النهضة.

وردد المتظاهرون أيضا شعارات مناهضة لفرنسا مثل "ارحلي يا فرنسا" ردا على تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس.

وكان فالس انتقد في تصريحات الخميس "فاشية اسلامية تبرز في كل مكان تقريبا" بعد اغتيال بلعيد.

وجاءت المظاهرة في اطار من الانقسام ضمن الحركة الاسلامية، حيث أعلن رئيس الوزراء حمادي الجبالي عن عزمه تشكيل حكومة تكنوقراط قريبا، وهو ما يرفضه حزبه.
مقابر المسلمين

ومن جانب آخر، أعلن وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي أن الجيش التونسي يؤمن ضريح المعارض اليساري شكري بلعيد الذي اغتيل الاربعاء أمام منزله ودفن في مقبرة الجلاز بالعاصمة تونس.

وجاءت تصريحات الزبيدي مساء الجمعة بعد ورود شائعات عن اعتزام سلفيين نبش قبره واخراج جثمانه بدعوى انه "كافر وملحد" ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين.

وكان ابو عياض التونسي زعيم تنظيم انصار الشريعة السلفي الجهادي قد قال الجمعة "ندعو جميع المسلمين الذين ترحموا على ملحد معاد للاسلام واعتبروه شهيدا ان يتوبوا الى الله وان يراجعوا دينهم".

وقال البيان إنه من وصفهم بالملاحدة يجب ألا يدفنوا في مقابر المسلمين. ودعا متشددون على صفحات فيسبوك الى اخراج جثمان شكري بلعيد من قبره.

وفي تصريحاته لقناة تلفزيونية تونسية خاصة، دعا الزبيدي الى ابعاد الجيش عن "التجاذبات" السياسية في تونس .

وقال إن "المؤسسة العسكرية تعهدت بحماية اهداف الثورة، وهي تواصل حماية اهداف الثورة".

واضاف ان مؤسسة الجيش "لا تخدم احزابا ولا اشخاصا ولذلك "فلنتركها في منأى عن كل التجاذبات" السياسية في تونس التي شهدت الجمعة اضرابا عاما بالتزامن مع تشييع جنازة بلعيد.

وجاءت تصريحات وزير الدفاع في معرض تعليقه على تصريحات ادلى بها الهادي بلعباس وزير الدولة للخارجية والناطق الرسمي باسم حزب المؤتمر، شريك حركة النهضة الاسلامية الحاكمة في الائتلاف الحاكم.

وكان بلعباس قال خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني إن رئيس الجمهورية منصف المرزوقي سخر الجيش الوطني لتأمين جنازة بلعيد.

BBC




نصر الدين السويلمي

جريمة نكراء في ضاحية من ضواحي العاصمة التونسيّة .. رصاص .. دماء .. سيّارة .. قاتل..شاهد ..سائق ..صراخ .. اغتيال شكري بلعيد أحد أقطاب اليسار التونسي .. ليس هذا كل المشهد إنّما هي ومضة أخيرة من المشهد الضخم ، لم يأتِ قاتل بالعيد من آخر الشارع أو من الحيّ المجاور أو حتى من أحد الضواحي والمدن الأخرى، لقد جاء مشروع القتل من بعيد ثم تكفّل القاتل باللمسة الأخيرة، كان هناك عمل دؤوب ومجهودات جبّارة بذلت حتى تتهيّأ السّاحة لمثل هذه العمليّة ، لقد أعطيت إشارة الانطلاق لهذه الجريمة منذ أن دشّنت بعض الطوائف السّياسيّة والإعلاميّة المفلسة سياسة التهوين ثم التشكيك وصولا إلى نبذ العمليّة الديمقراطيّة برمّتها، من هناك منذ أن أعرضت الطوائف السّياسيّة المفجوعة في انتخابات أكتوبر عن ممارسة السّياسة بمفاهيمها المتعارف عليها دوليّا وضمن أطرها البديهيّة ، منذ أن هجرت هذه الطوائف العمل المؤسّساتي وانكبّت على حرق المؤسّسات وطَلّقت المؤتمرات والندوات والمنتديات وتصافدت مع سياسة التحريض والاعتصامات والحرق والنهب والثلب ، منذ أن أغروا الأطفال واستأجروا الأحداث وأصحاب السوابق بثلاثين وخمسين دينار مقابل حرق مقرّ أو نهب متجر، منذ أن أعطت هذه الطوائف إشارات انطلاق قانون الغاب ، منذ ذلك الوقت انطلقت الأشغال في عمليّة الاغتيال التي طالت بلعيد ورجال الأمن والشباب السلفي..هذه الطوائف المجرمة لم تتعظ من حالة الانفلات التي أحدثتها ولا اتعظت من إنشائها لبؤر صراع وتوتر جعلتها بدائل عن التنافس المؤسّساتي النزيه ولا هي اتعظت من نتائج إذلالها لمؤسّسات الدولة وإحداثها لفجوات كبيرة مرّت منها الجريمة في طريقها إلى ضاحية المنزه، كنّا نعتقد أنّ دماء شكري بالعيد ستجعل هذه الطوائف تهرع إلى دولة القانون والمؤسّسات وتنبذ العنف وتسحب ميليشياتها من الشارع حيث تعربد وترسكلها ثم تدمجها في العمل المؤسساتي ، فإذا بها تغوص أكثر في حرفة العصابات وتصرّ على تطويع الأرضيّة وتمهيد الطريق أمام اغتيالات أخرى، لقد مهّدوا الطريق لقتله ثم لمّا قتل أو قتلوه غمّسوا في الحرق والنهب والتخريب ليضيّقوا فجوة الاحتكام الى المؤسّسات ويوسّعوا فجوة الاحتكام إلى الحجارة والكبريت، مات الرفيق ففتّشوا وفكّروا عمّا يكرم مثواه ولم يجدوا أفضل من تجميع المناضلات واستعمالهن كنائحات يجتهدن في العويل والنواح من أجل تحسين شروط الفتنة.

كل شيء يهون في خدمة الفكرة الأمّ ، الفكرة التي يجب أن تتلف أوراق الاقتراع وتحرق الصناديق وتوجد بدائل تتناسب مع حالة الفشل المزمن، ليس المهمّ إذا التقت المتناقضات وأهين العِلم وأصبح الإعلام وباء ، تهون الوسائل مهما كانت قذرة في سبيل الأهداف الأقذر ، لذلك وتحت لافتة التصعيد الثوري وأمام الشهوة القاهرة للسلطة تصافت القلوب وفُتحت الأذرع واحتضنت تركة بن علي تركة ستالين وتعانقا طويلا ليذهبا وحشة السنين ، ونشأت بينهما العواطف والوشائج ، قاتل الله نعرة السلطة قامت إلى البروليتاريا والمنطق الجدلي والديالكتيك والوعي الطبقي فلمّت شملهم على لجان اليقظة والشُّعب ولجان التنسيق الحزبي والوداديّات ، أي طموح ذلك الذي ألّف بين 25 أكتوبر و7 نوفمبر وأي عواطف تلك التي غازلت 1917 فأوقعتها في غرام 1987 ، لينغمسا في الشهوة المحرمة !!.

تلك ثمرة مشوهة انتهى أمرها إلى تجمّع شيوعي أو شيوعيّة تجمعيّة ، وهذا إعلام يبدو مدنيا حداثيا في مظهره العامّ إلى حدّ النخاع ، لكنّه ذو مهام ملوّثة يقوم على وظيفة القراصنة القذرة ، يقرصن إرداة الشعوب لصالح عصابات سياسيّة فاشلة تاجرت باستثمارات الوطن وتاجرت بالمنظومة الكونيّة وبالمثليّة وبالإرث والأسرة والمرأة والطفل ، تاجرت بالخمر وبالخوف ثم انتهت إلى التجارة بالدماء ، تتاجر بدم شطرها ، عصابات شرقت بحب العجم ونمط جنسهم وشربهم وافراحهم واعيادهم وهامت في تجربة الاضواء الحمراء والليالي الصاخبة ، عصابة اعتقدت أن العلب الليلية والمثلية الجنسية ذروة الحضارة ، حتى اذا انحنت بوصلة الشعب نحو الهوية والاخلاق والمآذن أكل الحقد أكباد النخب المتغربة وتجرعت النقمة فهي تَجْتَرّ الكره بالليل والنهار ، فاصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله ..كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

ويستمر نزيف الأخلاق مثلما يستمر الحريق، مشهد بائس وحالة تردي مقززة مثيرة للغثيان ونحن نقارن بين ذلك السلفي الجهادي أبو عياض وهو يطالب باحترام المؤسّسات في الوقت الذي يطالب فيه أستاذ ودكتور وبروفسور القانون الدستوري بالتخلي عن الدستور والقانون والفقرات والفصول والنصوص والاحتكام إلى أهل الحلّ كما أطلق عليهم، في خمرة أديولوجيّة مسكرة مذهبة للعقل ، وضع الصادق بلعيد ما درّسه عبر العقود للأجيال في سلّة المهملات واعتنق مذهب التصعيد الثوري، عميد القوانين الدستوريّة أسقط الأمانة العلميّة تحت لذّة الخصومة الفاجرة وأبطل مفعول القانون المنظّم للسلطات العموميّة ومفعول المجلس التأسيسي ومفعول انتخابات 23 أكتوبر ومفعول الحكومة ومفعول الرئاسة ومفعول جميع مؤسّسات الدولة وطرح المعارضة كبديل تستمد قانونيّتها من الشرعيّة الشعبيّة التي استمدتها على حدّ قول عالم القانون الدستوري من الجماهير تلك التي خرجت تحتجّ على اغتيال شكري بلعيد، بهذا يكون السّيد الصادق قد ابتدع أغرب تخريجة دستوريّة عرفتها جميع الدساتير منذ دستور حمورابي، وأي فصول دستوريّة أغرب من تلك التي تعطي الشرعيّة لجماعة تستمدّ شرعيّتها من ميليشيّات خرجت لتحرق البلاد وتنهب المحلات والمؤسّسات.

شيوعيّون ، تجمّعيّون ، دساترة ، خبراء دستور، حداثيّات ، حداثيّون ، علمانيّات ، علمانيّون ، نائحات ، نائحون ، إعلام ، نخب.. كلهم كفروا بالديمقراطيّة والمؤسّسات المنبثقة عنها ونبذوا القوانين والدساتير وراء ظهورهم واستنفروا القوى الثوريّة وفتحوا الباب أمام المتطوعين من الأزلام ودعموا صفوفهم بأصحاب السوابق واستنجدوا بسخاء فرنسا ، ثم حزموا أمرهم ونزلوا إلى الشارع ، حرقوا عشرات المقرّات واقتحموا محلات الذهب ومغزات المواد الغذائيّة ، ثوّار محمّلين بالثلاجات والتلافز ومسجلات وطاولات وكراسي وسيكان وكواتروات ومقرونة... ماذا هناك؟؟.. ماذا يحدث؟؟.. ما الأمر؟؟!!!... "لا شيء" ليطمئن الجميع، كله خير إن شاء الله ، إنّه التصعيد الثوري في نسخته الثانية ، هي قوى المجتمع الحيّة تصنع التاريخ ، إنّها القوى الديمقراطيّة بصدّد طرد الرجعيّة الشرعيّة وتحقيق أهداف الثورة.

بقلم الأستاذ بولبابة سالم

سعد الجميع بمبادرة السيد حمادي الجبالي لتشكيل حكومة تكنوقراط , لقد استجاب الرجل لضميره بعدما نفض يديه من كل الأحزاب وهو ما دعوته إليه في مقال سابق " هل يفعلها حمادي الجبالي ؟" . لقد أحسن الجبالي قراءة الواقع منذ مدّة و لاحظ صراعا محموما و شروطا مجحفة حول المناصب و محاصصة حزبية غريبة في الوقت الذي تعيش فية البلاد أزمة اجتماعية و اقتصادية و سياسية حادّة , و قد أكّد السيد محمد الحامدي المنسق العام للكتلة الديمقراطية في شهادة – للتاريخ - أنّ الخيار الذي اختاره رئيس الحكومة أخبره به منذ مدّة و لا علاقة له باغتيال الشهيد شكري بلعيد .

لقد قلب السيد حمادي الجبالي الطاولة على الجميع و انتفض على انتهازية الأحزاب و مساوماتهم و قرّر أن تكون كل الحكومة محايدة و ليس فقط وزارات السيادة خلال ما تبقى من الفترة الإنتقالية . لقد أراد أن يبعد العمل الحكومي عن الصراعات السياسية ليسهر على خدمة المواطن و تسيير دواليب الدولة.
هذا القرار أغضب الشق المتصلّب داخل حركة النهضة الذي لا يريدون الخروج من السلطة و يرون فيها استحقاقا انتخابيا لكنهم لم يقرؤوا جيّدا الواقع السياسي الجديد و الإصطفاف السياسي الذي حصل بعد اغتيال شكري بلعيد . لم يدركوا الصدمة التي أصابت التونسيين بعد أن وصل الأمر إلى حدّ القتل و استعمال الرصاص وهو أمر غريب عن مجتمعنا رغم التنافس السياسي الحاد و الإستقطابات الإيديولوجية المقيتة. لم يدركوا انّه توجد قوى إقليمية و دولية تتربّص بهذا الوطن بل و لاحظنا أصواتا داخل الإتحاد الأوروبي تدعو إلى الضغط على الترويكا الحاكمة و حملة اعلامية خارجية و داخلية شعواء . بقية شركاء الترويكا رفضوا أيضا قرار السيد حمادي الجبالي و بدوا متمسكين بمناصبهم الوزارية . لقد استجاب رئيس الحكومة إلى المصلحة العليا للوطن و تصرّف كرجل دولة بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيّقة وهو ما جلب له تقدير الجميع , و من ينكر أنّ الرجل قد ضحّى بمستقبله السياسي من أجل مستقبل تونس؟ إنّها رسالة إلى الطبقة السياسية أن تنظر إلى المرحلة الصعبة و الخطيرة التي تمرّ بها البلاد , الوضع التونسي هشّ جدّا و إذا عمّت الفوضى فلن تنهض سريعا فتونس ليس لها نفط و لا غاز , و من له ثقة في قواعده الشعبية فلماذا لا ينتظر أشهر قليلة ليستعيدها ؟ و أخيرا أقول لكل الأحزاب و النخب السياسية : اتّقوا الله في هذا البلد فقد طفّ الصّاع , طفّ الصّاع ...
كاتب و محلل سياسي 



يلعب على كل الحبال : المرزوقــــي... الرئيس البهلوان

الأربعاء 16 جانفي 2013 الساعة 09:34:42 بتوقيت تونس العاصمة


Slide 1
تونس ـ «الشروق»
منذ توليه مسؤولية رئاسة الجمهورية ظهر الدكتور منصف المرزوقي وكأنه يحاول التعامل مع كل المتناقضات والمراهنة عليها فهو تارة في السلطة وطورا في المعارضة وهو داخل الترويكا وخارجها في آن واحد وهو رئيس كل التونسيين مرات وهو زعيم حزب المؤتمر المتمرد في أحيان أخرى.


فماذا يريد المرزوقي؟ وهل سيستقر على حال واحدة وخطاب منسجم ؟.
هو الرئيس والمعارض واحيانا هو المجمع المفرق واخرى هو الداعم والمناهض وهو المطمئن المرعب تلك هي الحبال التي يلعب عليها رئيس جمهوريتنا الدكتور محمد المنصف المرزوقي ولسوء الحظ وربما لحسنه هو لا يلعب الا على حبلين متناقضين في نفس الوقت فما الذي يريده من هاته السياسة؟.

بدأت القصة بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي حين انتخب رئيسا للبلاد بعد مشاركة حزبه المؤتمر من أجل الجمهورية في تشكيل الترويكا الحاكمة وفي تلك المرحلة نذكر جيدا تلك الحرب التي احتضنتها تنسيقية الترويكا حول صلاحيات رئيسي الجمهورية والحكومة وكان من المفروض انه حصل اتفاق سابق على ذلك لكن حصلت المعركة التي تواصلت الى وقت غير بعيد ففي كل مفترق طرق تصله الاحزاب المتآلفة تنشب معركة صلاحيات جديدة.

حبال الترويكا

وفي هذا الاطار دارت اكبر المعارك التي كادت تعصف بالتحالف الحاكم بعد تسليم البغدادي المحمودي في 24 جوان الماضي وهاته المعركة لم تكن معركة حول مبدإ التسليم من عدمه وانما حول من من صلاحياته امضاء وثيقة التسليم لكنها وبالرغم من ذلك كانت اول مناسبة يهدد فيها الرئيس بالاستقالة رغم انه لم يفعلها في احداث 9 افريل حين ظهر كمعارض فقط وليس كرئيس دولة لكنه لم يتجاوز ذلك الحد في رفضه للقمع الذي تعرض اليه المتظاهرون واكتفى بإبداء اسفه لما حصل.

كما كان المرزوقي من أول الداعين الى حوار فكري مع السلفيين في تونس وفي نوفمبر الماضي دعا عدداً من قيادات التيار السلفي الجهادي وتنظيم أنصار الشريعة إلى المشاركة في حوار بهدف الاستماع إلى وجهات نظرهم حول مستجدات الأوضاع في البلاد وخاصة بعد الهجوم على السفارة الأميركية في تونس وأحداث منطقة دوار هيشر التي شهدت مقتل سبعة سلفيين في حادثتين لكن قبل هذا وبعده كانت لرئيس الجمهورية آراء ومقترحات أخرى.

وفي هذا الاطار قال المرزوقي يوم احداث السفارة الامريكية انه على الحكومة ان تتحمل مسؤولياتها امام الخطر السلفي الداهم كما رأى نفس الرئيس طبعا في سبتمبر 2012 ان السلفيين يتكاثرون «مثل السرطان»، وربما لا نناقش هنا صحة تصريحاته من عدمها لكن تناقضها رغم تزامنها فكأنه يريد كسب ود السلفيين من جهة بالتحاور معهم وان يتبرأ مما ينسب إليهم من افعال في الوقت نفسه ويكون قد كسب طرفي الصراع.

كيف يحاور رئيس الجمهورية اطرافا يرى انها «تكره الديمقراطية وتكفر الديمقراطية وتحتقر الديمقراطية ومستعدة لضرب الديمقراطية؟... ولم نأخذ في حقها التراتيب الضرورية في الابان وبدأت تتكاثر مثل السرطان» لكنه قبلها وبالتحديد في فيفري وبعدها بالتحديد في نوفمبر دعاهم الى الحوار.

حبال اليوسفيين والبورقيبيين

وكان لرئيس الجمهورية السبق في اللعب على التناقضات منذ توليه لمهامه حين قرر ان لا يصطف وراء اليوسفيين فقط او البورقيبيين وحدهم وخير استمالة الطرفين باستقبال عائلتي الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف في نفس اليوم وحاول اظهار العملية على انها سعي الى المصالحة بين عائلتين لكن كلا الطرفين اعتبر ان اليوسفيين او البورقيبيين ليسوا مجرد عائلتين وانما هما تياران فكريان مختلفان ولا يكفي حفل استقبال للعائلات لإجراء المصالحة بينهما وهو ما مثل بداية فاشلة في لعبة تواصلت وذهب الى ابعد من ذلك.

وفي هذا التمشي وجه مستشارو المرزوقي في ماي 2012 ضربة قوية الى الحكومة وهم جزء منها حين طالب المستشار شوقي عبيد بحل الحكومة بعد اقراره بفشلها ودعا الى تكوين حكومة مصغرة وفي نفس الاطار كتب عدنان منصر مقالا بعنوان «حتى لا تحفر الحكومة قبرها بيدها» وجه فيه نقدا لاذعا الى الحكومة والى غياب برنامج واضح كما طالب المستشار أيوب المسعودي باقالة محافظ البنك المركزي وقد اعتبرت هذه التصريحات على خطورتها نيرانا صديقة لكنها تواصلت حد ان المرزوقي اتهم النهضة في اوت 2012 بأنها تعتمد نفس ممارسات النظام البائد وبأنها تسعى الى السيطرة على مفاصل الحكم في البلاد وجاء ذلك في خطابه للمؤتمر الثاني لحزب المؤتمر من اجل الجمهورية الذي القاه نيابة عنه عدنان منصر.

واظهرت المناوشات مع شركائه في الحكم وخاصة حركة النهضة الرئيس وكأنه مناضل في صفوف المعارضة ولم تقتصر تلك التصريحات على المناسبات السياسية فقط بل وحتى المناسبات الاجتماعية مثل تصريحاته اثناء موجة البرد التي اجتاحت الشمال الغربي بداية العام الماضي وفي الذكرى الثانية لـ17 ديسمبر في سيدي بوزيد وغيرها فهو الرئيس وفي نفس الوقت المعارض لبرنامج هو شريك فيه.

حبال المتناقضات السياسية

ومؤخرا طلع علينا رئيسنا المفدى بخطاب جديد يحمل تسمية «الحوار الوطني» واستقبل في هذا الاطار مختلف مكونات المشهد السياسي التونسي وان كانت تلك المبادرة أعادت إلى رئاسة الجمهورية دورها الحقيقي الا ان بعض الثغرات جعلتها هي ايضا تدخل في خانة اللعب على المتناقضات حيث انه وفي الوقت الذي يرفع فيه حزب المؤتمر شعار اقصاء التجمعيين ومحاسبتهم يستقبل المرزوقي كل مشتقات التجمع الى جانب ذلك وفي نفس الوقت الذي تعارض فيه اغلب الاطراف الديمقراطية في البلاد وجود رابطات حماية الثورة يستقبلهم الرئيس في اطار الحوار الوطني ما قد يعصف بمبادرته سياسيا.

ربما لو اعدنا هاته الفقرة لاتضحت أكثر فالمعادلة التي تحملها صعبة ومعقدة، الاحزاب الديمقراطية تعارض وجود رابطات الثورة بشدة والمرزوقي يستقبل الاثنين، ثانيا الرابطات وحزب المؤتمر والنهضة يعارضون الاحزاب التجمعية والرئيس يستقبلهم جميعا، حزب الرئيس يرفض التعامل مع احزاب يعتبرها تجمعية وتقدم بمشروع لإقصائها من الساحة السياسية والرئيس يستقبلهم جميعا، قمة في الابداع في اللعب على كل الحبال.

وحتى الحبال الخارجية....

وعلى صعيد العلاقات الخارجية لم يكن اداء الرئيس افضل فلعنة اللعب على المتناقضات تلاحقه، مثلا هو ضد اي تدخل اجنبي في سوريا لكنه في نفس الوقت يطالب بتدخل عربي وان كان تحت تسمية حفظ الامن، وفي نفس الاطار يستقبل «مؤتمر اصدقاء سوريا» ويكون المبادر بطرد السفير السوري وقطع العلاقات معها ثم يعود الى الحبل الاول يستقبل اللاجئين السوريين ويجد انهم اول من تضرر من قطع العلاقات حقيقة هناك ابداع من رئيسنا حتى على مستوى العلاقات الدولية.

ومن الشطحات الاخرى تدخل المرزوقي في الشؤون الداخلية لعدد من البلدان التي تمثل عمقا استراتيجيا لتونس منها انتقاده للنظام المغربي في حضور سفيرها الى جانب نصيحته الشهيرة للجزائر بتمكين الاسلاميين من الحكم وعدم التصدي لهم مثلما حصل في التسعينات من القرن الماضي والتي وترت الاوضاع اكثر بين البلدين، ونفس الشيء حصل مع روسيا عندما اقترح نيابة عنها ان تحتضن بشار الاسد وقد رد عليه الكرملين مثلما ردت عليه الجزائر والمغرب بان لا يتكلم باسم دولة اخرى غير تونس.

هي ربما نسميها انتكاسات لسياستنا الخارجية لكنها تبقى في اطار اللعب على الحبال الذي يمكن ان نتجاوزه في تونس لكن انعكاساته الخارجية قد لا تحتملها البلاد خاصة في حالة الضعف التي تعيشها منذ جانفي 2011 وفي ظل الاوضاع المتوترة على حدودنا سواء مع الجزائر او ليبيا.

اذن لم يترك رئيسنا الموقر حبلا دون ان يجربه سواء داخل البلاد او خارجها سياسيا كان او اجتماعيا فكل الحبال تستهويه وتناديه فيسير فوقها مسلوب التفكير يتأرجح بينها ثم يقفز من فوقها غير عابئ بعواقب السير او القفز المهم بالنسبة اليه انه لم يترك أيا منها دون ان تكتشفه نعلاه، ومع مرور الذكرى الثانية لـ14 جانفي نتمنى ان يقلع المرزوقي عن هاته الهواية وعن خطواته البهلوانية الهاوية ويضع نصب عينيه مصلحة البلاد فربما التقليل من القفز سيساهم الى حد ما في استقرار الصورة على الاقل.
عبد الرؤوف بالي