غربة الانسان و مولد الذّئاب في زمن العولمة
الجزء الخامس 5/5 من مقل لنا نشر سنوات الجمر يوم 22 مارس 2004

إرادة الحياة بين البدايات و النهايات:
الجزء الخامس 5/5 من مقل لنا نشر سنوات الجمر يوم 22 مارس 2004
إرادة الحياة بين البدايات و النهايات:
إنّ البحث عن الوسائل المناسبة لتحقيق تلك النهايات السّعيدة هو عمليّة اجتهادية بشرية بحتة. و من أهم الوسائل و أخطرها تأثيرا على تحقيق هذه النهايات هو ما نسمّيه ونطلق عليه "بالفعل و الحراك السّياسي". فالسياسة وسيلة نوعية و آلية مُتميزة في تقرير مصير المجتمعات و الشّعوب سلبا و إيجابا. وهو ما فهمه المُتطلعون إلى السّلطة في كل زمان ومكان فحرصوا على احتكار هذه الوسيلة ولو عن طريق القتل والإرهاب وسفك الدّماء ، ولذلك لا نستغرب عندما نسمع هؤلاء ونراهم في إعلامهم مُسخّرين كل ثروات الدّولة المادّية و المعنوية و هم يرددون صباحا و مساء :"أيها النّاس إنّ السّياسة حرام عليكم إلى يوم الدّين، حلال علينا وحدنا معشر السّباع، فاجتنبوها إنّها رجس من عمل الشّيطان و إذا أبيتم فسيطالكم لا محالة غضبنا وتكونون من الخاسرين."
ولأنّنا طيّبون ، وعاطفيون ، وخائفون ، ومُترددون ، كان يؤثر فينا كثيرا هذا القول البليغ ، فنُعيد ، نحن المُواطنون المُسالمون جدّا ، إنتاج هذا الخطاب السّديد والكلام الرّشيد بأساليبنا الخاصّة مردّدين بلا كلل ولا ملل أن السّياسة قد ماتت و أنّها رجس من وحي الشّيطان وأن اجتنابها قدر المُستطاع خير عند الله مُكتفين بموقع المحكوم فيه إلى الأبد ، و نحن والحمد لله راضون ومُقتنعون، لا موقف لنا ولا رأي إلاّ ما يراه ويقرّره الحاكم المعصوم الذّي لا ينبغي مُراجعته ولا إدانته إلى يوم الدّين.
ولكن على الطرف الآخر، من هذه الحقيقة التي أرادت السّباع أن تُكرسها ، نجد إرث الأنبياء والمصلحين يشدّنا إلى الأعلى دائما ويمنعنا من السّقوط وينير لنا الطّريق و يلقننا حقائق أخرى لا قبل للسّباع بها. لقد تعلّمنا من هؤلاء أنّ الحياة في عالمنا البشري ليست حقيقة مُطلقة و مؤكّدة و مكتملة الصنع و أنّ الله أوجب علينا أن نُنجزها بما يتماشى و يخدم مصلحة الإنسان و ازدهاره. ولكن لا ينبغي أن ننسى أنّ تحقيق ذلك لا يتّم إلا عن طريق الإقبال عن العمل بكلّ حماس و بذل الجهد الكافي و توفر لإرادة العامّة المصّممة على التّغيير الحقيقي و الشّعور المشترك بالمسؤولية الجماعية التّي تمُدُّنا بالإحساس المُرهف و تُلهب فينا مشاعر الرّحمة و الأخوة والتعاطف والتعاون والغيرة على الضّعيف والمظلوم و ذي الحاجة ، فنجعل من كل واحد منّا مسؤولا عن كل الآخرين"كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته". فالسّياسة على ضوء هدي الأنبياء هي:"ما كان فعلا يكون معه النّاس أقرب إلى الصّلاح و أبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرّسول ولا نزل به الوحي" (10) فوسيلة على هذه الدرجة من الخطورة ينبغي أن يُعاد لها الاعتبار في أذهاننا و أن تُحظى بالأولوية في برامجنا ، إذا ما أردنا تحرير الغابة من هيمنة الذّئاب وجعلها واحة أمن وسلام للتّعايش السّلمي بين المواطنين من كل دين و ملّة. "ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (11)
كما أن العمل على توفير الأسباب التّي تسمح لكل مواطن يحمل داخله بذرة خير أو عبقرية أو موهبة ولو كانت جُزئية أن يُعبّر عنها و يُفجرها علما و فكرا وحضارة وفنّا و أدبا هي واجب وطني مقدّس و كفائي بلغة الفقهاء متخلّد بذمّة السّاسيين، خدمة للنّاس و صيانة للبيئة ، إذ السّياسي في ديننا خادم لقومه و النّاس أجمعين . وحتّى يؤدّى الواحد منّا واجباته بهمّة عالية و تفان فهو مُحتاج إلى أن يطمئن على أهله و نفسه عرضه ودينه . إنّ ما يُميّز الإنسان عن غيره هو أنّه كائن حرّ، والحرّية في فهمنا تكليف و طريقه للفاعليّة و التألق في خدمة الصّالح العام للمجتمع و الشّعب و صيانة المكتسبات الانسانيّة و الحضاريّة أنّى كان مصدرها ومبدعها. إنّ هذا العالم، الذي أرادت الذّئاب أن تجعل منه مُجرد غابة تعبث فيها كيف ما تشاء ، كُلّه وطني، أينما انتُهكت حقوق الإنسان فيه و أهدرت كرامته شعرت بالألم و المرارة. وأنّ ما يُضاعف ألمي و يُعمّق جُرحي هو أنّ مُعظم زعمائنا السّياسيين و الرّوحانييّن لا يعون و لا يُقدرون حجم ما نحن فيه من مخاطر وإذا ما وعُوا فإنّهم لا يتمردّون...
وما يُغضبُني أيضا أن مُعارضاتنا السّياسية و الفكرية و النّقابيّة ينتقدون لأنّهم لا يحكمون ولكنهم أيضا لا يتجرؤون ولا يُبادرون ولا يكادون يتميّزون عن من ينتقدونهم .....
يا حكامنا و يا حكماءنا و زعماءنا و يا مُعارضينا ، رسميّين و غير رسميّين، هل من صحوة ضمير تُعيد لنا رُشدنا ؟ لنقاوم معا ،جنبا إلى جنب ما يُسمّى "بالعولمة"و خاصة منها الاقتصادية التي ما هي في الحقيقة وإن اختلفت المسّميات إلا الوريث الطّبيعي و بأ قلّ الأثمان للاستعمار القديم و إلاّ فإنّ بوش وشارون و من كان على دينهما سيحطموننا و يذبحون أبناءنا و يستحيون نساءنا و يستبيحون دماءنا و أعراضنا، نستوي في ذلك حكامّا و محكومين.إن مُقاومة هؤلاء الذّين يكذبون علينا و يُلّحون علينا أن نُلغ عقولنا لنعيش فقط ببطوننا و غرائزنا هي ضرورة و مسألة موت أو حياة قبل أن تكون حقّا مشروعا و واجبا وطنيّا .
إنّ التّصدي لهؤلاء الّذين يريدون أن يفرضوا علينا بقوة المليارات و الصواريخ العابرة للقّارات تاريخا كاذبا و مُستقبلا "ديمقراطيا" وهميّا و مزيّفا لا أساس له في الحقيقة إلا الفراغ والدّمار الشاّمل والموت البطيء والمدروس هو شرف لكل مُقاوم وعلامة انتصار لا تُخطئ. إنّ مُقاومة هؤلاء في الدّاخل والخارج هي واجب ديني و وطني و إنساني مهما كانت الإمكانيات مُتواضعة ولو عن طريق الكلمة الصادقة أو نُكران هذا الواقع الرّديئ بضمائرنا الّتي لن يكلّع عليها إلاّ خالقها ، وذلك أضعف الإيمان. و من النّضال أيضا أن لا نكُفّ عن إعلان حقائقنا ولو كانت جُزئية ومُضطربة من سوء ما نحن فيه من ضغط و من جرّاء ما نُعانيه من ظُلم و حيف. علينا جميعا أن نصبر على هذا الواقع بشرط أن لا نستسلم لإكراهاته إلى أن يأتي الله بالفرج ونبني مكانا آمنا نعشق فيه الجمال والفضيلة والخير والعدل والحرّية و نشعر فيه بالأمن و الأمان، وعند ذلك نُعيد ترتيب أوضاعنا المُبعثرة و أفكارنا المُشتتة ونُعلن حقائقنا كاملة غير منقوصة وعندها قد نُسهم بما لدينا من موروث حضاري و خبرة في مقاومة السّباع بكلّ أنواعها و أشكالها في بناء مشروع سلام انساني عادل تستفيد منه كلّ الشعوب و الأمم و نحن سعداء بذلك.
فيا أحرار العالم في كلّ مكان ومن كل ملّة و دين لنتعاون على تحرير جزء مهما كان صغيرا من هذه الغابة المُوحشة نتخذه مُنطلقا لتحرير ما تبقى من الغابة ونزرعه قمحا و شعيرا و نغرسه تينا و زيتونا و رمّانا ونخلا و عنبا. و من الأفضل أيضا أن لا ننسى زرع شيء من الورود والأزهار، كالقرنفل و الياسمين، فنستبد ل رائحة الذئاب و عُواءها برائحة الأزهار و زقزقة العصافير وهي تُغني للحياة فنُغني معها أُنشودة الحياة الخالدة:"إذا الشّعب يوما أراد الحياة.....فلا بُدّ أن يستجيب القدر" (12)
إن ولادة الإنسان السّوي تعني موت هذه الذئاب المُنصبة علينا بقوة الحديد والنّار أو على الأقل و في أسوإ الحالات تراجعها إلى حجمها الطبيعي الذّي من أجله خُلقت لا تتجاوزه قيد أنملة.
يا شرفاء العالم، إن النجاة من "زمن العولمة"هو العمل الجادّ والمُشترك على تأسيس "عالمية إنسانية"
جديدة، قوامها الرّحمة والتّعارف والتّعاون والتّكامل ، و بإيجاز تحقيق إنسانية الإنسان. وذلك هو الخيار الذّي سيُضفي على حياتنا القصيرة معنى وكرامة: "يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "(13)
ليعذرني قارئ هذه الصفحات على ما تعكسه من قتامة وهموم ولكن ليعلم أن هذه الخواطر ولئن كانت
مُوغلة في التشاؤم إلاّ أنها لم تبن على فراغ وإنّما أملتها أحداث جسام عاشها العالم بصفة عامّة و العالم الإسلامي بصفة خاصّة ومنها نذكُر منها ما سمي بنكسة 5حوان 1967 وحرب الخليج الأولى ثمّ الثانية و غزو لبنان و مذبحة صبرا وشاتيلا وأحداث الجزائر و أحداث 11 سبتمر 2004 واحتلال أفغانستان والعراق من طرف الإدارة الأمريكية وأحلافها. وهي كُلها أحداث فرضتها أياد استعماريّة وعُنصرية على أمتنا الإسلامية ، لا همّ لها إلاّ ألتسلط و الهيمنة على الشعوب المُستضعفة. فإلى متى سنظّل هكذا تابعين ولا يكون لنا ردّ فعل حضاري في المستوى المطلوب، نحقق به أحلامنا في الحريّة و الكرامة و العدالة الاجتماعيّة .
إنّ هذا النص هو دعوة للانتباه واليقظة أوّلا ، وهو دعوة للبناء وإرادة الحياة وتهيئة الأسباب لزرع الأمل من جديد ثانيا.
باريس ليلة الإثنين22 مارس2004
المُوافق ل1صفر1425للهجرة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire