سياسة
بعد قبول مجلس الشورى بعرض الحبيب الصيد: النداء والنهضة في نفس الحكومة.. أو عندما التقى الخطان المتوازيان...الإثنين 12 جانفي 2015 | بقلم: زياد كريشان
inShare
النشر أو إرسال لصديق
اليوم نبتعد أكثر فأكثر عن «التسريبات» و«الإشاعات» و«التخمينات».. حركة النهضة ستشارك في حكومة الحبيب الصيد.. هذا الأمر أصبح مؤكدا بعد أن أعلن عنه مجلس الشورى للحركة الإسلاميّة وإن كنا لا نعرف إلى حدّ الآن ما هو حجم وشكل هذه المشاركة..
منذ الانتخابات التشريعية وحتى قبلها كانت الأنباء عن تحالف ممكن بين نداء تونس وحركة النهضة تقوى أحيانا وتخفت أحيانا أخرى بين تكذيب قطعي وتأكيد ضمني أحيانا في نفس التصريح..
الآن وجدت المقولة الشهيرة لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي والرئيس السابق للحزب الأغلبي «مانحكموش وحّدنا» تطبيقها العملي: حركة النهضة ستشارك بصفة واضحة في حكومة الحبيب الصيد..
العرض والتحالف
يبدو أن الأمور قد أخذت منحى جديّا يوم الأربعاء الماضي عندما استقبل رئيس الحكومة المكلّف وفدا رفيع المستوى من حركة النهضة يقوده رئيسها راشد الغنوشي وأمينها العام علي العريض ورئيس مجلس شوراها فتحي العيادي.. وقد صرّح لنا هذا الأخير («المغرب» ليوم الخميس 8 جانفي) بأن حركته قد تلقت عرضا للمشاركة في الحكومة.. وأن هذا العرض لا يأتي فقط بمبادرة من الحبيب الصيد بل من الحزب الأغلبي أيضا.. هذا العرض قد قبله مجلس شورى النهضة- البرلمان المصغّر للحركة الإسلامية – وقد فوض أمر تحديد شكل المشاركة وحجمها إلى المكتب التنفيذي..
نحن هنا أمام حدث سياسي ضخم ولا شك.. إننا إزاء تشكل تحالف بين أكبر حزبين في البلاد نداء تونس وحركة النهضة.. تحالف من شكل خاص ولا شك، ذلك أن الطرفين المعنيين به لا يريدان أن يسمياه باسمه بل يستعيضان عنه بجملة من الأسماء كالتعايش والتشارك والتعاون.. ويرفضان – لأسباب نفسية – تسميته بمسماه السياسي الوحيد: تحالف حكم.. تحالف كان واضحا في ذهن القيادة العليا للحزبين حتى قبل الانتخابات التشريعية بصفة مجملة ودعمته التصريحات الإيجابية من الطرفين رغم غضب الرافضين له هنا وهناك.. تحالف تأكد أمام أعين الناظرين في انتخابات رئاسة مجلس نواب الشعب رغم زعم الطرفين مجددا على أن المسألة إجرائية لا غير وأنه من الطبيعي أن تؤول رئاسة البرلمان إلى الكتلة الأولى والنيابة الأولى للكتلة الثانية.. هذا الاحتراز في التسمية
وفي الجهر بها يدل أن القيادتين ستجدان صعوبات جدية في إقناع جزء من إطاراتهما العليا وجل قواعدهما بصواب هذا الاختيار.. فكيف ستقبل «تونس القرن 21» بالتحالف مع تونس «القرن 7»؟ وكيف ستقبل تونس «الثورة والهوية» بالتحالف مع تونس «النظام القديم»؟ لا شك أن تخفيف الكلمات والبحث عن صيغ لفظية بديلة للتحالف لن يحلّ هذا الإشكال الحقيقي وهذا سيتطلب جهدا بيداغوجيا ضخما من قيادة الحزبين لإقناع قواعدهما الانتخابية بأن الخطين المتوازيين قد التقيا.. وإذا التقيا – كما قال بعضهم – فلا حول ولا قوة إلا بالله..
تحول في المشهد الحزبي
كيف سيتمظهر هذا التحالف الجديد؟ هل سيكون في شكل أغلبية حكومية كلاسيكية تضم نداء تونس وحركة النهضة والاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس والمبادرة وبعض التشكيلات الحزبية الأخرى؟.. وفي هذه الحالة تصبح لدينا أغلبية ساحقة داخل مجلس نواب الشعب بحوالي 185 نائبا أي زهاء 85 % من المقاعد مقابل معارضتين أساسيتين: الجبهة الشعبية على اليسار بـ 15 مقعدا و»حراك شعب المواطنين» بسبعة أو ثمانية مقاعد..
لا أحد كان ينتظر مشهدا حزبيا على هذه الشاكلة والأكيد أن هذا «التحالف» الحيي والذي لا يريد أن يبوح باسمه ستكون له انعكاسات سياسية وإيديولوجية جوهرية على تونس اليوم وغدا..
أهم هذه الانعكاسات هو فرض إعادة تموقع جديد إيديولوجي وسياسي لهذين الحزبين الكبيرين وخاصة لنداء تونس والذي طالما أكّد قياديون بارزون فيه أن التحالف مع الحركة الإسلامية لا يمكن القبول به بأي شكل من الأشكال.. اليوم هؤلاء القياديون أمام وضعية حرجة للغاية فإما أن يقولوا بأن تواجد النهضة في حكومة الحبيب الصيد لا يعني تحالفا سياسيا معها، وهذا لا يبتعد كثيرا عن الضحك عن الذقون حتى تلك التي حُلقت في حركة النهضة أو أن يدخلوا في معارضة داخلية أو خارجية مع حزبهم.وفي هذه الحالة لا ندري اليوم كم تزن هذه المعارضة المفترضة أم أنهم سينصاعون للأمر الواقع وللواقعية السياسية، أو ربما تتفتق القرائح عن «حيلة فقهية» جديدة مفادها أن السيد الحبيب الصيد هو الذي اقترح على النهضة المشاركة في الحكم والسيد الصيد مستقل وبالتالي فإن تواجد ندائيين ونهضويين في حكومته لا يعني التحالف بين هذين الحزبين..!!!
سوف نرى في الأيام القادمة الإخراج المسرحي الذي ستختاره حركة نداء تونس لهذا التحالف الذي يحرجها أكثر بكثير مما يحرج حليفها الجديد..
لكن السؤال الأهم اليوم هو أي برنامج ممكن لهذا التشكيل الحكومي بهذه الأغلبية الواسعة؟ هل بإمكان حكومة ندائية نهضوية أن تقدم على إصلاح جدي وجوهري للمنظومة التربوية والثقافية عي
سبيل المثال لا الحصري؟
لا نعتقد.. قصارى ما بإمكان هذه الحكومة فعله هو الإقدام على بعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية لا غير وبحدود دنيا أيضا لأنها محكومة بتناقضات أصلية تجعل جرعاتها الإصلاحية محدودة بطبعها..
الأقرب للظنّ أن يطغى الحذر على هذه الحكومة رغم كونها ستكون مساندة من قبل أغلبية ساحقة في مجلس نواب الشعب..
من سيعرف مصير التكتل؟
هنالك تخوّف مزدوج داخل النداء والنهضة من هذا التحالف والكل يخشى أن يعرف حزبه مصير حزب التكتل الذي قبل بالتحالف سنة 2011 مع النهضة.. والذي خسر بعد ثلاث سنوات قرابة 90 % من قاعدته الانتخابية. هذا تخوّف الندائيين ولكنه أيضا تخوّف النهضويين وهؤلاء يقولون بأن الشعب عندما عاقب الترويكا في الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2014 كان أشدّ على الأحزاب الحليفة وخاصة حزب التكتل منه على الحزب الكبير... وهؤلاء النهضويون يخشون من فقدان حزبهم لهويته إن هو أصبح مجرّد تابع لحزب نداء تونس.. هذا وعقاب الناخبين قد يكون سريعا وفي نهاية هذه السنة مع الانتخابات البلدية والجهوية..
وهذا يعني أنه ستكون لدينا حكومة ينظر فيها كل طرف إلى الآخر ويخشى فيها كل طرف أن يكون هو الخاسر الأكبر من هذه الزيجة غير المباشرة..
كما يُخشى أن نكون في حكومة فيها تنافس غير مباشر بين أهم مكوناتها.. سواء في حجم المشاركة أو في نوعيتها أو في أهمية الحقائب لهذا الطرف أو ذاك..
لكن ما يشفع لهذه التشكيلة هو قرف جزء هام من التونسيين من الخلافات والصراعات السياسية ورغبتهم بعيش فترة من الهدوء والسكينة لمجابهة أهم تحديين يعترضان البلاد: الإرهاب والأزمة الاقتصادية والاجتماعية..
الأكيد على كل حال أننا إزاء منعرج هام في حياتنا السياسية الوليدة.. وأننا مقدمون على إعادة تشكل تموقع أهم الأحزاب السياسية ولسنا ندري هل سيفتح هذا «التحالف» طرقا سيارة ذات اليمين أو ذات الشمال أم لا؟ أي هل ستتمكن الجبهة الشعبية وكذلك حراك شعب المواطنين من الاستفادة من التقارب النهضوي الندائي أم سيستمر مسار تهميشهما؟..
لا شك أن العنصر الأساسي في الإجابة عن كل هذه التساؤلات سيأتينا من أداء حكومة الصيد وقدرتها على الإنجاز السريع والاقناع.. كما أن هذه المآلات ستجعل من الانتخابات البلدية والجهوية القادمة محطة سياسية إستراتيجية فإما أن يدعّم الناخبون هذا الاختيار الجديد أو يعاقبوا طرفيه أو أحدهما..
سنة 2015 ستكون، هي الأخرى، سنة مفصلية في تونس..
أحدث أخبار
بعد قبول مجلس الشورى بعرض الحبيب الصيد: النداء والنهضة في نفس الحكومة.. أو عندما التقى الخطان المتوازيان...
2015-01-12 15:41:08
حصيلة أسبوع من المشاورات حول الحكومة: هل تتضح ملامح الحكومة في الأسبوع القادم ؟
2015-01-12 15:39:12
معارضات في المعارضة: معارضو النهضة و معارضو الصيد ومعارضو قائد السبسي ومعارضو نداء تونس
2015-01-12 15:37:38
تلامذة الباكالوريا غاضبون، إضراب متواصل واعتصامات وتهديد بالتصعيد: كيف تعامل الأساتذة والمديرون والنقابيون؟
2015-01-12 15:36:17
أسس بناء حكومة الجمهورية الثانية
2015-01-12 15:32:34
Abonnement Le Maghreb 2014
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire